الاستثمار في العقول.. بين التعليم والثقافة

بقلم/ المهدي الفهري
كثيرة هي الأمم والشعوب التي تمكنت من تحقيق قفزات نوعية نحو الاكتفاء الذاتي والتحرر من الفقر وانتقلت من مرحلة الانبهار بالآخر إلى ميادين العمل والفعل، وقد أدركت تلك الأمم أن التعليم هو عماد النهضة وجوهرها وهو المفتاح الحقيقي للتغيير والتحرر من العجز والتبعية، فاستثمرت في الإنسان باعتباره المحرك الرئيس لكل عملية تنموية، والعنصر الأهم في بناء المستقبل، وقد استلهمت هذه الشعوب تجارب الأمم الناهضة، واستنهضت قواها الذاتية، وسخرت جهودها لصالح التنمية، مؤمنة بأن المدرسة والمؤسسة التعليمية هي الوسيلة الأقرب والأكثر فاعلية لتحقيق التحول المنشود، فالتعليم ليس مجرد عملية نقل للمعرفة، بل هو مشروع وطني وإنساني لبناء الإنسان القادر على الإبداع والإنتاج، والمؤهل لمواجهة تحديات الحياة بوعي واقتدار، ومن خلال تحويل الأفكار إلى مشاريع واقعية قابلة للتطبيق يصبح التعليم استثمارًا مربحًا يعزز من بناء الإنسان الصالح والمواطن المنتج وتحقيق التنمية المتوازنة التي تضمن للإنسان حاجاته وترفع من كفاءته وقدرته على الإسهام في بناء وطنه، فالإنسان هو المحرك الأول لكل عملية تنموية، والعامل الأساس في بناء قاطرة التقدم وبوابة المستقبل، وإلى جانب التعليم تأتي الثقافة لتكون الركيزة الثانية في بناء الهوية الوطنية والتنمية الشاملة، فالثقافة هي الذاكرة الحية للأمم، وبها تصان الخصوصية الوطنية التي تغذي روح الإبداع والانتماء، والاستثمار في الثقافة لا يقل أهمية عن الاستثمار في التعليم، إذ يعزز من وعي المجتمع بذاته وتاريخه ونضالاته ويمكنه من التواصل الخلاق مع حضارات العالم دون أن يفقد أصالته.
لقد أثبتت التجارب والدراسات الاجتماعية في الشرق والغرب أن الاستثمار في التعليم وفي الثقافة هو الأساس المتين لكل تنمية رائدة وشاملة، فبه تبنى العقول التي تحول الفكرة إلى إنجاز وأصل اقتصادي، والمعلومة إلى مشروع حضاري، والرؤية إلى قيمة معرفية واقتصادية تضيف للمجتمع معرفة وثروة، لا سيما عندما يبنى هذا الاستثمار على رؤية ثاقبة ودراسة علمية سليمة وعلى قدرات بشرية مخلصة جديرة بتحمل المسؤولية، ويقوده أناس مخلصون حريصون على رفع مستوى المعيشة وتحقيق العدالة الاجتماعية والحد من الانحرافات والآفات التي تهدد استقرار المجتمعات، ورغم الجدل الدائر حول أولوية الديمقراطية أو التنمية الاقتصادية فإن الواقع يؤكد أن الاستثمار في التعليم هو الخيار الاستراتيجي الأوحد لتحقيق التنمية الشاملة والمستدامة، خصوصًا في ظل شح الموارد وتحديات العصر المتسارعة، فالموارد المادية تفقد قيمتها وفاعليتها إذا غاب عنها الإنسان المتعلم الواعي القادر على حُسن إدارتها وتوظيفها في خدمة الصالح العام، بل إن هذه الإمكانات قد تكون عرضة للسطو والنهب والسرقة في حال انعدام نظرة تعليمية متطورة قادرة على ترسيخ الفهم المجتمعي الفطن والذكي، ورفع مستوى الإدراك واليقظة والنهضة الحقيقية لا تقاس بما تملكه الدول من ثروات، بل بما تمتلكه من عقول مفكرة ومؤسسات تعليمية وثقافية قادرة على بناء وعي جمعي مستنير يوازن بين التقدم المادي والكرامة الإنسانية ويقود المجتمعات نحو مستقبل أفضل تسوده الحرية والسيادة والازدهار.
