مقالات الرأي

قانون معطل وعدالة غائبة

بقلم/ عفاف الفرجاني

أثار قرار القاضي اللبناني زاهر حمادة جدلًا واسعًا في الأوساط القضائية والحقوقية، محليًا وعربيًا ودوليًا، بعد أن قضى بالإفراج عن نجل الشهيد معمر القذافي بموجب كفالة مالية ضخمة بلغت 11 مليون دولار أمريكي، مع فرض حظر سفرٍ لمدة شهرين، وذلك بعد احتجازه في لبنان منذ عام 2015 من دون توجيه أي تهمة واضحة إليه.

الواقعة تفتح نقاشًا قانونيًا مهمًا يتمركز حول مقتضيات (الضمان القضائي) و(الاحتجاز المسبق) وفق التشريع اللبناني والمعايير الدولية. فبمقتضى القانون اللبناني، يُفترض أن يُفرَج عن الموقوف أو يُحال إلى محاكمة خلال أجل معقول، وإلا يصبح الحجز غير قانوني باعتباره حالة «اعتقال تعسفي»، هذا من ناحية، ومن ناحية أخرى الكفالة تُعد وسيلة دفع لضمان حضوره أمام القضاء، لا أداة لمعاقبة بلا تهمة. وبما أن هانيبال لم يحاكَم ولم يوجه ضده قرار اتهام نهائي، فإن مطالبة الكفالة تخضع لرقابة دستورية وقانونية دقيقة.

تكمن الإشكالية القانونية في أن الحجز امتد لنحو عقد من الزمن تقريبًا من دون إحالة إلى القضاء، ما يطرح مسألة التوافق مع الحق في محاكمة عادلة خلال (أجل معقول)، وما يزيد الأمر تعقيدًا أن القرار القضائي تضمن إخلالًا بحقوق المتهم، وهو ما أثار حفيظة العديد من منظمات حقوق الإنسان التي اعتبرت الأمر احتجازًا تعسفيًا.

إضافة إلى أن طلب الكفالة المالية في هذه الحالة لا يرتبط بتهم مثبتة، بل بطلب كشف معلومات عن اختفاء شخصية دينية لبنانية عام 1978، ((مع العلم أن المحتجز كان من مواليد 1977)) وهو ما جعل الدفاع يصف القرار بأنه غير مقبول في قضية اعتقال تعسفي بالمفهوم القانوني، فإن الكفالة لا يمكن أن تُفرض كغطاء لاحتجازٍ طويل بلا محاكمة، وإلا تحولت إلى عقوبة مسبقة لا سند لها في تهمة جنائية. أيضا المسألة الدولية حاضرة أيضًا، حيث إن المُحتجز موضوع لعقوبات دولية، ما يعوق فعليًا تنفيذ الكفالة أو دفعها، حسب ما أوضح الدفاع.

من الجوانب الإجرائية، صدرت مذكّرة توقيفٍ على خلفية حجب معلومات وليس على خلفية جريمة محدّدة، وهو ما يجعل حالة سجن هنيبال في خانة الاحتجاز الاحترازي، وليس عقوبة. وفي هذا الإطار، يُفترض أن يتمتع المحتجز بضمانات قانونية مثل إعلامه بالتهمة، والحق في محاكمة علنية، والحق في رفع دعوى عن الاعتقال التعسفي أمام الجهات القضائية المحلية أو الدولية، رفض تنفيذ هذه الضمانات يضع لبنان تحت طائلة مسؤولياتها القانونية التي تضمنها المواثيق والمنظمات الحقوقية الدولية.

يبقى السؤال: هل ستنفذ الكفالة ويخرج هنيبال من السجن، أم أن المبلغ المرتفع يُقصد به حاجزا عمليا لعدم الإفراج؟ وإذا خرج، فهل سيتحول مطلبه إلى دعوى أمام العريضة الدولية للاحتجاز التعسفي أم أمام محكمة القضاء الدولي؟ إن هذه القضية تشكّل اختبارًا لقيم العدالة الجنائية ومحاكمة العدالة في النظام اللبناني، وللتوازن بين الحاجة إلى الضمان القضائي وحماية الحقوق الفردية الأساسية.

زر الذهاب إلى الأعلى