مقالات الرأي

من الحذر إلى الهدر.. كيف تبدّد المال الذي حفظ ليبيا لعقود؟

بقلم/ د. عثمان الدعيكي

على مدى العقود الأربعة التي سبقت عام 2011، اتبعت الدولة الليبية سياسات اقتصادية ومالية صارمة مكّنتها من تجنّب أزمات عصفت بكبرى الاقتصادات، خصوصًا الأزمة المالية العالمية عام 2008، حين انهارت بنوك وشركات استثمارية عملاقة في الولايات المتحدة وأوروبا.

فبينما فقدت الأسواق العالمية تريليونات الدولارات وتراجعت الأصول المالية بأكثر من 30%، حقق الاقتصاد الليبي نموًا إيجابيًا بنحو 4.5% بفضل استقرار الإدارة المالية وارتفاع أسعار النفط فوق 100 دولار للبرميل. كما حافظت ليبيا على أحد أدنى مستويات الدين العام في المنطقة بنسبة لم تتجاوز 5% من الناتج المحلي الإجمالي، مقارنةً بأكثر من 80% في بعض الاقتصادات المتقدمة.

ووفق البنك الدولي، لم تتجاوز خسائر الاستثمارات الليبية الخارجية خلال تلك الأزمة 5% من قيمتها، في حين فقدت صناديق سيادية خليجية وأوروبية ما بين 20% و40% من أصولها، ما يعكس فاعلية السياسة المالية المتحفظة والرقابة الصارمة التي اتبعتها ليبيا آنذاك.

منذ منتصف السبعينيات، تبنّت ليبيا نموذج الاقتصاد الموجّه الذي تهيمن فيه الدولة على القطاعات المالية والإنتاجية والاستثمارية، خصوصًا النفط والغاز. ورغم الانتقادات لضعف المنافسة في هذا النهج، فقد وفّر درعًا واقيًا ضد تقلبات الأسواق العالمية، إذ كانت الدولة تشرف مباشرة على السياسات المالية والنقدية، وتفرض رقابة صارمة على المصارف وحركة رؤوس الأموال، وتقرّ الميزانية بمراعاة الظروف الاقتصادية واتجاهات الأسواق المستقبلية، ما قلّل من احتمالات الانكشاف المالي أمام الأزمات الدولية.

اتبعت ليبيا أيضًا نهجًا محافظًا في إدارة احتياطياتها النقدية واستثماراتها الخارجية التي بلغت بين عامي 1999 و2010 نحو 136 مليار دولار، استُثمر معظمها في سندات حكومية أوروبية وأمريكية منخفضة المخاطر، بعيدًا عن الأدوات المالية عالية التقلب، ما حمى أموال الدولة من الخسائر التي تكبدتها صناديق أخرى خلال فترات الاضطراب العالمي.

ورغم الانخفاضات الحادة في أسعار النفط خلال أعوام 1986 و1998 و2009، حافظت الدولة على برامج الدعم الأساسية للمواطنين، بينما رفعت دول نفطية أخرى الأسعار وقلّصت الإنفاق الاجتماعي. فقد استمر دعم السلع التموينية والوقود في ليبيا، وواصلت الدولة تقديم التعليم والرعاية الصحية مجانًا بفضل الإدارة المركزية للإنفاق وتوجيه الفوائض النفطية نحو الصناديق الاستثمارية ومصرف ليبيا المركزي بدلًا من الإنفاق العشوائي.

أما قطاع النفط، فتميّز بدرجة عالية من الانضباط المالي والإداري، إذ اعتمدت المؤسسة الوطنية للنفط نظام المشاركة في الإنتاج بدلًا من الامتياز الكامل، ما ضَمِن بقاء حصة الدولة من الإيرادات بين 70% و85%. وساهمت الرقابة على الشركات الأجنبية وترشيد الإنفاق العام في بناء قاعدة مالية قوية تجاوزت معها الاحتياطيات الرسمية 136 مليار دولار عام 2010، وفق البنك الدولي.

لكن المشهد تغيّر جذريًا بعد عام 2011 مع تفكك مؤسسات الدولة وغياب الرقابة المالية والإدارية على المؤسسات الاقتصادية، بما فيها مصرف ليبيا المركزي والمؤسسة الوطنية للنفط والمؤسسة الليبية للاستثمار. فقد ارتفع الإنفاق العام بشكل غير منضبط ليصل عام 2024 إلى نحو 90 مليار دينار ليبي، فيما تشير تقارير ديوان المحاسبة إلى أن نسبة الهدر في الإنفاق العام تتجاوز 20% من إجمالي الإنفاق السنوي، الذي يُنفَّذ وفق ترتيبات مالية هجينة أقرب إلى الفوضى منها إلى النظم المالية والقانونية المعروفة.

كما أصبحت الأصول والاستثمارات الخارجية المقدّرة بـ67 مليار دولار عرضة للنزاعات والدعاوى القضائية والعبث المالي نتيجة غياب الحوكمة والشفافية. وهو ما يفرض ضرورة ملحّة لإجراء مراجعة شاملة للاستثمارات الخارجية والتعاقدات النفطية، واعتماد سياسة مالية أكثر انضباطًا تربط الصرف بالعائدات الفعلية، مع إعادة الاعتبار لمبدأ الرقابة الصارمة على المال العام.

لقد أثبتت التجربة الليبية قبل عام 2011 أن الصرامة الاقتصادية والانضباط المالي، إلى جانب نموذج الاقتصاد الموجّه، مكّنت البلاد من تجاوز أزمات عالمية كبرى دون أن تمس حياة المواطن. فبناء اقتصاد متين لا يتحقق بالانفتاح غير المدروس، بل بالتخطيط طويل المدى والرقابة الفاعلة.

إن استعادة عافية الاقتصاد الليبي لن تتحقق إلا باستلهام دروس الماضي، التي أكدت أن الإدارة الرشيدة والحذر المالي والانضباط المؤسسي هي عناصر الحماية الأولى للثروة الوطنية. وبينما نجحت ليبيا في الماضي في تفادي كوارث مالية ضربت دولًا أكبر، فإن العودة إلى نهج مشابه — مع تحديث أدواته ومواكبته للعصر — باتت ضرورة وطنية. فتوجيه الفوائض نحو الاستثمار الإنتاجي، وتحصين المؤسسات من التسيّب المالي، هي الخطوات الأولى لبناء اقتصاد مستدام يحفظ حقوق الأجيال القادمة ويوازن بين متطلبات السوق وواجب حماية مصالح الشعب.

زر الذهاب إلى الأعلى