مقالات الرأي

حلف الناتو ليس جمعية خيرية

بقلم/ د. عبدالسلام محمد إسماعيل

شهدت ليبيا إبان أحداث سنة 2011 أمرين غاية في الغرابة وعلى درجة عالية من الخطورة، وانعكس أثرهما السيئ على مستقبل البلاد ووجود الدولة الليبية، ويتعلق الأمر بقيام ما يسمون بالثوار بتقديم طلب صريح وعلني إلى مجلس الأمن الدولي وبعض الدول الغربية للتدخل العسكري المباشر لضرب المؤسسات العسكرية والأمنية والسياسية بقصد تدميرها، وبالفعل قاد حلف الناتو ومن يدور في فلكه من دول عملية (فجر الأوديسا)، التي أدت في نهاية المطاف إلى إسقاط النظام الوطني في ليبيا وتدمير مؤسساته.
الأمر الآخر يتعلق بطلب المجلس الانتقالي سنة 2011م من الأمم المتحدة إنشاء بعثة لها في ليبيا للمساعدة والدعم في قضايا مهمة من قبيل الشؤون السياسية/ حقوق الإنسان/ العدالة الانتقالية/ نزع الألغام وقضايا السلاح/ حقوق الإنسان/ العدالة/ التنمية/ التسريح/ تمكين المرأة/ الإعلام والاتصال وغيرها من مناحي إدارة الدولة.
وكما استجاب مجلس الأمن سريعًا لطلب التدخل العسكري، استجاب أيضًا لطلب إنشاء بعثة للأمم المتحدة في ليبيا، حيث أصدر مجلس الأمن الدولي قراره رقم 2009 المؤرخ في 16-9-2011، والقاضي بإنشاء بعثة الأمم المتحدة للدعم في ليبيا (UNSMIL).
سرعة الاستجابة في الحالتين رسخت اعتقادًا زائفًا وساذجًا لدى حديثي العهد بإدارة الدولة مفاده أنه عليهم فقط أن يطلبوا وعلى العالم أن ينفذ، ولم يدركوا حينها أن العالم ليس جمعية خيرية، وأن الأمر يتعلق فقط بتلاقي مصلحة الجميع حول نقطة إسقاط النظام.
ذلك الاعتقاد الزائف والساذج حذا بالوافدين الجدد إلى إصدار قانون العزل السياسي الذي أدى في نهاية المطاف إلى إبعاد كل الكوادر الوطنية، سواء العسكرية أم الأمنية أم السياسية أم الاقتصادية عن إدارة الدولة، لسان حال المجلس الانتقالي يقول (ما الحاجة إلى الكفاءات والكوادر الوطنية طالما كفاءات العالم تحت تصرف الثوار).
عندما حققت الدول المتدخلة في ليبيا أهدافها تخلت عن الشعب الليبي وتركته تحت سطوة الفاشلين في انتظار الدعم وانتظار المساعدة التي لم تأتِ، وإن أتت فهي على مقاس الدول المتدخلة تمامًا. ظل الشعب الليبي طوال هذه السنين يترقب إحاطة هذا المبعوث أو ذاك، حيث الترقب والتفاؤل قبل كل إحاطة والإحباط وخيبة الأمل بعدها، فلا بعثة الأمم المتحدة ترغب في إغضاب الدول المتدخلة في ليبيا حيث تقاطع المصالح، ولا الشعب الليبي الذي يعيش وهم وزيف دعم العالم له، قادر على خلق مبادرته الشاملة وإنجاز استحقاقاته الكبرى، والخروج من هراء ووهم وأراجيف المجتمع الدولي.

زر الذهاب إلى الأعلى