وهْم الإحاطات!!

بقلم/ مصطفى الزائدي
تعوّد الشعب الليبي منذ 14 عامًا ويزيد على متابعة إحاطات مطولة لمبعوثي هيئة الأمم المتحدة، الذين تغيّرت أسماؤهم ومسمياتهم عدة مرات – حتى لا يشعر الناس بالملل من خطاباتهم الإنشائية المتكررة – ينتظرون أن تتمخض تلك الإحاطات لتولد حلًّا لأزمتهم الناتجة عن تدخل أجنبي، لكن على العكس تزداد الأزمة تعقيدًا وتتفاقم المعاناة وتتجه الأوضاع إلى المجهول.
الشعب الليبي الذي تنفس الصعداء في منتصف القرن الماضي بعد قرون طويلة من الظلم والقهر الأجنبي، إبان حقبة الاستعمار التركي وفترة الاحتلال الاستيطاني الإيطالي، حاول بناء دولة مستقلة قادرة على تأمين وحماية مصالحه.
لقد كان الليبيون دائمًا ما يستردون حقوقهم بقوتهم الذاتية ولم يركنوا يومًا إلى دعم خارجي. ثورات غومة في الجبل الغربي والجفارة، وسيف النصر في الوسط، والجوازي في الشرق ضد الطغيان التركي، كانت معارك محلية لم تُستدعَ لها قوة أجنبية،رغم أن ذلك كان متاحًا في ظل صراع النفوذ بين الإمبراطوريات المسيطرة.
كما خاض الليبيون جهادًا قويًّا ضد المستوطنين الطليان رغم وحشية وقسوة جرائمهم بحق الشعب الليبي، ولم يستقطبوا دعمًا من الأطراف الدولية المتصارعة في المنطقة، رغم أن ذلك كان يمكن أن يغيّر نتائج الحرب.
عقيدة رفض التدخل الأجنبي كانت مترسخة لدى الشعب الليبي، إلى أن حدث الزلزال الكبير عام 2011، الذي غيّر ليبيا كليًّا وجعلها موضع صراع دموي عنيف لم يخطر على بال الليبيين، صراع مستمر بتخطيط ودعم وتمويل أجنبي.
وللأسف، نجحت الحملات الدعائية المصاحبة في زرع فكرة أن التدخل الأجنبي هو السبيل الوحيد لتجاوز المحنة، وأدى ذلك الوهم إلى تنحي النخب الليبية جانبًا لتفسح الطريق أمام مجموعات من التافهين المرتبطين بالمشروع الأجنبي للعبث بليبيا ومستقبلها.
لنطرح السؤال المهم: هل حققت الأمم المتحدة – وهي لا تعني في الواقع كل دول العالم، بل هي تسمية تعسفية لمجموعة الدول الغربية التي تسيطر على العالم بالقوة، وتستغلهالتمرير مشروعاتها وتبرير تدخلاتها ضد الشعوب الأخرى – هل حققت هذه الأمم المتحدة أي نتيجة إيجابية في ليبيا، غير تثبيت التقسيم، وإدارة الصراع، والعبث بمقومات المجتمع الأساسية، والمسّ بترابطه المجتمعي وهويته العربية الإسلامية، ودعم نشر الرذيلة والانحلال، وزرع بذور صراع إثني ومذهبي؟
ولكيلا يختلط علينا الأمر ولا نقع في الوهم القاتل، لنراجع بشكل موضوعي كل حالات المبعوثين الأمميين إلى ليبيا ولنقِس نتائج أعمالهم على الأرض. للأسف، لن نجد سوى كلام منثور في الهواء، بدون أشياء ملموسة، لو استثنينا مقار البعثات، وحجم موظفيها، وسياراتها، وحجم إنفاقها!
كل إحاطات المبعوثين المجدولة كل شهرين، تتحدث بلغة إنشائية عن “إنجازات” البعثة النظرية، وتحاول أن تضع بعض الكلمات عن “خطط لحل الأزمة” تدّعي الأمم المتحدة أنها ترعاها لصياغة المشهد الليبي على أسس توافقية تضمن مصالح الفرقاء!
دون الإجابة عن السؤال البديهي عن طبيعة وماهية “الفرقاء” الذين تقصدهم البعثة، ولا عن السؤال: هل يوجد فعلًا فرقاء في ليبيا؟ وكيف يمكن تحديد أشكالهم؟ وعلى أي أساس تكوّنوا؟
المستغرب هو اهتمام البعض ومتابعتهم لما يصدر من بعثة الأمم المتحدة من إحاطات، وكأن بها العلاج السحري!
أكثر الأمور إثارة هو تعدد خرائط الطريق التي تُطرح في الإحاطات المتعددة، فمع استلام كل مبعوث جديد، يقوم بطرح خريطة طريق جديدة – إنشائية طبعًا – لكنها تحوي أحيانًا ما يشبه الجداول الزمنية لإنجازها بقصد إثارة الرأي العام وشده إليها، ثم تُطرح خريطة أخرى فرعية لتنفيذ خريطة الطريق الأولى، وهكذا.. إلى أن تنتهي مهمة المبعوث، ويأتي غيره، ليكرر نفس السيناريو بحذافيره!
الفكرة التي حاولت بعثة الأمم المتحدة، طيلة سنوات تدخلها في ليبيا، تأكيدها والانطلاق منها، هي أن الليبيين منقسمون جهويًا إلى شرق وغرب – ربما لترسيخ فكرة التقسيم الاستعمارية – وينبغي بناء توافق بينهم بتقاسم السلطة من خلال “حوارات” تنظمها وترعاها وتحدد المشاركين فيها بعثة الأمم المتحدة.
حوارات لم تؤدِّ إلا إلى مزيد من التقسيم وتعميق الأزمة، بالرغم من أن ليبيا، بكل المقاييس، ليست مقسمة، لا جهويًا، ولا قبليًا، ولا إثنيًا، ولا دينيًا، ولا مذهبيًا، ولا طائفيًا على الإطلاق.
تجاهلت البعثة دائمًا الانقسام المنطقي الممكن، وهو الانقسام الأيديولوجي، فلم تُجرِ في أي وقت حوارات بين التيارات الفكرية والسياسية الليبية، على سبيل المثال، بين التيارات التي ترفع شعارات الإسلام، وتلك الليبرالية، والتيار الجماهيري، وما إليها من تيارات، بل تجاهلتها كليًّا.
عود إلى البدء، طالما يخبرنا التاريخ الليبي أن الليبيين تعاملوا مع أزماتهم ومشاكلهم وأعدائهم بأنفسهم دون عون من الأجنبي، وأن ذلك التعامل لم يؤدِّ في أي وقت إلى صراع ليبي-ليبي جدي، فكيف نفسّر قبول النخب الليبية بالتدخل الأجنبي واعتباره أمرًا قدريًا لا يمكن تجاوزه.
