الموت واحد.. على الحواجز وفي الطائرات

بقلم/ ناجي إبراهيم
صحيح أن المقاومة الفلسطينية لم تُنجز بعدُ التحرير الكامل، ولم تنهِ الاحتلال، ولم تنجح هذه الجولة في إعادة جميع الأسرى من سجون الكيان الصهيوني، وربما تنجح المرة القادمة. أملنا بالله كبير، وثقتنا بعدالة قضية الشعب الفلسطيني لا تتزعزع.
معلوم أن طوفان الأقصى الذي أوجع الكيان وأربكه، حتى استدعى تدخل الغرب بكل إمكاناته وآلياته العسكرية والدبلوماسية لإعادة توازنه وحمايته من الانهيار، قد أفضى إلى تدمير شبه كامل لغزة، وخلف عشرات الآلاف من الشهداء والجرحى والمفقودين. ثمن باهظ وكبير، لكنه لم يكن السبب، بل النتيجة. فنحن أمام قضية بحجم فلسطين ومستقبل شعبها الذي يعاني وطأة الاحتلال، ويواجه القتل اليومي والتمييز العنصري، ويقضي خيرة أبنائه سنوات عمرهم في السجون، بينما يعيش الملايين من اللاجئين في المنافي محرومين من الهوية والوطن. قضية بهذا الحجم لا بد أن يكون ثمنها بهذا القدر من التضحيات.
لقد دفعت شعوب كثيرة ثمن حريتها بالدماء. فالشعب الجزائري قدّم مليونًا ونصف المليون شهيد في حرب التحرير ضد الاستعمار الفرنسي، والشعب الليبي دفع نصف سكانه في مواجهة الاحتلال الإيطالي، وكان مستعدًا ليدفع النصف الآخر في مواجهة القواعد الأجنبية عام 1969. هذه الممارسات الاستعمارية خلقت بيئة مواتية لردّات فعل تصفها بعض وسائل الإعلام والسياسيين بالعنيفة أو الإرهابية، بينما هي ردود أفعال طبيعية على الظلم والعدوان.
إنها أشبه بعملية المناعة في جسم الإنسان، حين تتسلل إليه أجسام غريبة فيتحفز لمقاومتها بكل طاقته، حتى لو أصيب بحمى أو وهن. كذلك هي مقاومة الشعوب؛ تخفق أحيانًا، وتتراجع حينًا آخر، لكنها لا تتوقف أبدًا، بل تنقل راياتها من جيل إلى جيل.
تواجه المقاومة دائمًا خصوم الداخل من أصحاب المصالح الضيقة أو المرتبطين بالمحتل، كما تتعرض لحملات تشويه وشيطنة لتجريدها من شرعيتها وقطع صلتها بشعبها الذي يشكل حاضنتها الطبيعية. ولم تسلم أي مقاومة في التاريخ من هذه المحاولات الرامية لتبرير الباطل وتثبيت أوضاع الاحتلال.
منذ انطلاق معركة طوفان الأقصى – وهي حلقة من سلسلة المواجهات الممتدة مع الاحتلال منذ ما قبل إعلان قيام الكيان عام 1948، مرورًا بثورة 1936 ضد الانتداب البريطاني، ومعارك عز الدين القسام، وثورة الكرامة بقيادة منظمة التحرير في ستينيات القرن الماضي – لم تتوقف المقاومة الفلسطينية. ولن تكون طوفان الأقصى آخر معاركها، لأن الهدنات والاتفاقيات التي لا تعيد الحقوق إلى أصحابها لن تُنهي الصراع، بل تُسكّنه مؤقتًا لتثبيت الاحتلال وتطبيع وجوده.
وسيأتي اليوم الذي ينتفض فيه جيل ما بعد الطوفان، الجيل الذي عاش المأساة وشهد المجازر، أطفال غزة الذين يرون الموت يوميًا سيكبرون ليصبحوا مقاتلين لا يخافون الموت، لأنهم عرفوه صغارًا وشاهدوه قريبًا.
أما المبادرات الغربية من ترامب وغيرِه، ومحاولات الاعتراف الشكلي بدولة فلسطينية، فهي مجرد محاولات لتدوير الاحتلال وإعادة تسويقه بمسكنات سياسية، لا تختلف عن تلك التي أعقبت حرب 1973 وأنتجت كامب ديفيد ووادي عربة ومدريد وأوسلو، التي انتهت جميعها إلى حماية الكيان لا محاسبته. فطوفان الأقصى لن يكون النهاية، بل ربما يكون المقدمة لطوفان أشد وأقسى يكسر ظهر الاحتلال وينهي وجوده.
الأحداث لا تُقاس بتكاليفها، بل بنتائجها وخواتيمها. فالتضحيات العظيمة تُبرَّر حين تُفضي إلى إنجاز يخدم القضية. وفي القضية الفلسطينية، لا يمكن قراءة النتائج الآن في حرب لم تنتهِ بعد، وسجال لم يُحسم مع احتلال مدعوم من قوى الاستعمار الغربية.
ورغم ذلك، فقد أعادت معركة طوفان الأقصى الحياة إلى النقاش حول الحقوق الفلسطينية، وأخرجت القضية من مقبرة أوسلو، وكشفت للعالم بشاعة الاحتلال وزيف ادعاءاته، وخلقت أصواتًا حرة من اليابان إلى أمريكا تناصر العدالة وتدافع عن الكرامة الإنسانية.
لقد نجحت المقاومة فيما عجز عنه القانون الدولي، فحررت أسيرات وأسرى قضوا ربيع أعمارهم خلف القضبان لمجرد أنهم صدحوا بكلمة حق. أما الشهداء من النساء والأطفال والشيوخ، فهم قرابين على مذبح الحرية، يمهّدون الطريق نحو الخلاص والتحرير.
والموت — سواء على حواجز الاحتلال في الضفة الغربية أو بطائراته في سماء غزة — هو واحد؛ لكنه عند الفلسطينيين بابٌ إلى الحياة والكرامة والحرية، التحية لأبطال طوفان الأقصى، شهداءً وأحياء.
