سلام على الورق.. وقيود على الأرض!

بقلم/ ناصر سعيد
في أعقاب “قمة السلام في الشرق الأوسط” في شرم الشيخ، التي هدفت إلى تهدئة الأوضاع وإحياء مسار التسوية، يبرز ملف الأسرى والمعتقلين الفلسطينيين في سجون الاحتلال الإسرائيلي كاختبار حقيقي لجدية الأطراف الدولية والإقليمية، وكمؤشر صادق على إمكانية انتقال المنطقة من دائرة الصراع إلى فضاء التعايش. فبينما ترفع شعارات السلام، تتعامل إسرائيل مع هذا الملف الإنساني والسياسي بمنطق القوة والمساومات، ما يهدد بتقويض الجهود السلمية برمتها ويُعيد إنتاج أسباب التوتر والصراع.
من الواضح أن التزام إسرائيل ببنود الاتفاق الخاص بالإفراج عن الأسرى جاء انتقائيًا ومليئًا بالثغرات، الاستثناء الذي طال شخصيات فلسطينية بارزة ومعتقلة منذ سنوات طويلة ليس مجرد تفصيل إجرائي، بل هو رسالة سياسية مبطنة ومحسوبة. هذه الرسالة يمكن قراءتها على مستويين:
1. المستوى الداخلي الإسرائيلي: تهدف إلى تهدئة الأصوات اليمينية المتطرفة داخل الائتلاف الحكومي الحاكم، وإثبات أن يدها ما زالت هي العليا في إدارة الصراع، وأن أي اتفاقيات سلام لن تأتي على حساب ما تسميه “أمنها”.
2. المستوى الخارجي الفلسطيني: تهدف إلى تقويض شرعية القيادة الفلسطينية وتجريدها من إحدى أهم أوراقها التفاوضية والشعبية، حيث يعد تحرير الأسرى مكسبًا وطنيًا وشعبيًا يزيد من مصداقية أي تفاوض.
هذا التلاعب المتعمد يحول ملف الأسرى من جسر للثقة إلى ساحة للمناورة السياسية، ما يجعل اتفاق شرم الشيخ – الذي يفترض أن يكون خطوة نحو السلام الدائم – عرضة للانهيار تحت وطأة عدم الثقة والشعور بعدم الإنصاف.
كما أن وجود أكثر من “10 آلاف” معتقل سياسي وأسير فلسطيني، بينهم مئات الأطفال والنساء وعشرات المرضى والمحتجزين إداريًا دون محاكمة، ليس مجرد أزمة إنسانية عابرة. إنه تجسيد حي ومستمر للاحتلال نفسه. لا يمكن الحديث عن بناء سلام شامل ودائم بينما تظل آلاف العائلات الفلسطينية تنتظر عودة أبنائها، بينما يستمر حرمان هؤلاء الأبناء من أبسط حقوقهم الإنسانية.
هذا الواقع يغذي مشاعر الغضب والإحباط ويقوض ثقة الشعب الفلسطيني بمشاريع السلام التي لا تلامس جذور معاناته، إنه يرسخ قناعة بأن السلام الذي لا يحرر الأرض والإنسان هو سلام زائف، لذلك، فإن أي مسار سلمي مستقبلي سيكون مصيره الفشل ما لم يتم حل هذا الملف بشكل عادل وشامل، يضمن الإفراج عن جميع الأسرى ويعالج معاناة الأسر.
يبدو حل الدولتين، الذي ينص على العيش جنبًا إلى جنب، هو الحل الوحيد المقبول دوليًا، لكنه يواجه تحديات وجودية، استمرار بناء المستوطنات، والتلاعب بملف الأسرى، والتقسيم الجغرافي للضفة الغربية، كلها سياسات إسرائيلية تلتهم الأرض المخصصة للدولة الفلسطينية المستقبلية وتفقد الحل مضمونه.
المجتمع الدولي، ممثلًا بالأمم المتحدة والاتحاد الأوروبي والقوى الكبرى، مطالب اليوم بأكثر من البيانات الدبلوماسية الخجولة.. فبدون إرادة سياسية دولية حازمة وجادة، سيظل حل الدولتين مجرد شعار ترفعه المؤتمرات بينما يدفع الفلسطينيون ثمن غيابه.
السلام الدائم والشامل ليس مجرد توقيع اتفاقيات في منتجعات فاخرة، إنه عملية معقدة تتطلب إرادة سياسية حقيقية من جميع الأطراف، ولكن تبقى المسؤولية الأكبر على الجانب الذي يمتلك القوة، وهو الاحتلال الإسرائيلي.. لا يمكن لأي اتفاق سلام أن يصمد بينما تبقى آلاف العائلات الفلسطينية تنتظر أبناءها خلف القضبان.
فالأسرى ليسوا قضية جانبية يمكن تأجيلها، بل قلب القضية الفلسطينية ومؤشر صدق أي تسوية.
يظل السؤال المطروح هل الأطراف جادة في غلق الصفحة الأليمة؟ الإجابة ليست واضحة، فبينما يبدو الجانب الفلسطيني والعربي الرسمي جادًا في البحث عن مخرج سلمي، فإن الأفعال الإسرائيلية على الأرض، خاصة في ملف الأسرى والاستيطان، تشير إلى أن الصفحة الأليمة لم تُغلق بعد، بل قد تُكتب فصولًا جديدة منها.. المقاومة مستمرة طالما الاحتلال قائم بدون حل عادل يعيد الحقوق سلميا بإخضاع العدو لها.
