انتصار المقاومة: معجزة بشرية، وطاعة إلهية، ونبوءة قرآنية

بقلم/ د. محمد جبريل العرفي
الحروب تُقاس بنتائجها لا بحجم تضحياتها؛ فالنصر لا يتحقق بهزيمة المقاومة للجيش النظامي، بل بمنعه من تحقيق أهدافه، الكيان منذ زرعه في جسد الأمة حدد أهدافه الاستراتيجية، في إبادة السكان الأصليين، والتضييق على من تبقّى منهم لتهجيرهم من أراضيهم، فاقترف مذابح منذ دير ياسين، إلى حصار غزة الذي دام 17 سنة، ثم شُنّت عليها حرب عالمية استمرت سنتين ويومًا. استخدم الأعداء كل ما توافر لهم من أدوات القتل والتدمير، من معدات عسكرية وتقنيات إلكترونية وأقمار صناعية. أهم ثلاثة أهداف للكيان هي: تهجير سكان قطاع غزة، واسترداد الأسرى دون مقابل، واجتثاث المقاومة الفلسطينية.
تضامنت بعض الأنظمة العربية مع الكيان وطالبته بالتسريع في اجتثاث “المقاومة”، ففضحهم (وودوورد) في كتابه “الحرب”، كما تقيّأ عباس بعبارة: “سلموهم بدون مقابل يا أبناء الكلب”.
ومع ذلك كله، انتصرت المقاومة بفضل ستة عوامل بشرية هي:
أولها: صبر الشعب الفلسطيني وتشبّثه بأرضه، فلم يهاجر منها رغم القتل والتدمير والتضييق والإغراءات، واحتضانه للمقاومة رغم محاولات الافتتان.
ثانيها: بسالة وشراسة المقاومة، إذ رسمت صورًا إعجازية في مواجهة قوات العدو، فرأيناهم يتقنون فنون القتال، ويشتبكون مع العدو من المسافة صفر، ويقذفون أبراج الدبابات بالقنابل كأنهم يلعبون كرة السلة.
ثالثها: الطوفان أسقط سردية مظلومية الكيان، وأحلّ محلّها سردية الواقع الفلسطيني، والاعتراف بدولة فلسطين فأيقظ الضمير العالمي- وخاصة الغربي – لتندلع موجة تضامن دولي بالمظاهرات المليونية وأساطيل الدعم، ما أجبر الحكومات الغربية على الرضوخ لإرادة مواطنيها. فاتخذت إجراءات حادّة ضد الكيان بمقاطعته اقتصاديًا وسياسيًا ودبلوماسيًا.
وصل الأمر بحزبٍ بريطانيٍّ إلى إعلان جيش الاحتلال منظمة إرهابية، وتخلّى الحزب الديمقراطي الأمريكي وبعض الجمهوريين، وجيل (زد) عن دعم الكيان. وحتى الكنيسة البروتستانتية الإنجيلية الصهيونية تخلّت عنه، وأعلنت أن ضميرها لا يسمح لها باعتبار “إسرائيل” شعب الله المختار وهم يُبيدون الأطفال.
خشيت الإدارة الأمريكية على مستقبلها وتأثير غزة على الانتخابات النصفية المقبلة، فهرول ترامب لإنهاء الحرب بأي ثمن. وأصبح العدو معزولًا منبوذًا مكروهًا، حتى ظهر “النتن” يخطب أمام كراسٍ فارغة.
رابعها: مساندة مقاومة لبنان التي وصلت صواريخها إلى غرف نوم الصهاينة وقاعات طعامهم، ومنعتهم من احتلال الجنوب اللبناني، ومقاومة اليمن التي استهدفت مطارات الصهاينة وموانئهم ومصانعهم ومراكز مخابراتهم وأبراج سكنهم، وهزمت الأساطيل الأمريكية، وأجبرتها على الهروب، واستجداء عُمان للتوسط لتوقيع هدنة، تتخلى فيها أمريكا عن الكيان، ليواجه مصيره أمام الشعب العربي اليمني الفقير المحاصر.
خامسها: يقظة الأنظمة العربية للخطر المحدق بها جرّاء سلوك العدو في شنّ الحروب والتوسع، لتحقيق الدولة التوراتية المزعومة، واستفزازه لإيران حتى قصفت الدوحة،واعتدى الكيان على قطر، الحليف لأمريكا والصديق للكيان والمستضيف لأكبر قاعدة عسكرية خارج أمريكا.
أجبر هذان الحدثان الأنظمة على الانصياع لأصوات شعوبها، وإعلان أن الكيان “عدو”، وتصدّرت مصر هذا التوجه حفاظًا على أمنها القومي والعربي. فتبددت أحلام التطبيع والإبراهيمية، وسيبقى الكيان في وجدان الأمة كعدوٍّ تاريخيٍّ للعروبة والإسلام، رغم أنّ أنظمة الزجاج قد تستغل خطة ترامب لنزع سلاح المقاومة ووقفها وإحياء التطبيع والإبراهيمية.
سادسها: خسائر الكيان البشرية والاقتصادية والاجتماعية، وشكوك الصهاينة في قدرة جيشهم على الحفاظ على أمنهم، بعد تحطيم أسطورة “الجيش الذي لا يُقهر”، فبدأت الهجرة العكسية للصهاينة، متخلين عن أسطورة أرض الميعاد.
تلك حقائق لا ينكرها إلا جاهل أو حاقد أو عميل، ولا يصدّق أولئك إلا ضعيف أو ساذج أو مغرَّر به.
نحن نحاجج بمنطق الحق وواقع الأرض، فلنقل للفئة المرتدية لجلباب الدين، والمرجفين ومرتزقة الإعلام: تعالوا لنحتكم إلى القرآن الكريم ونتدبّره لنستلهم منه الأوامر الإلهية والنبوءات القرآنية.
من الأوامر الإلهية
بِسْمِ اللهِ الرَّحْمٰنِ الرَّحِيْمِ
﴿وَأَعِدُّوا لَهُم مَا اسْتَطَعْتُم مِّن قُوَّةٍ﴾.
تحريم تسليم سلاح المقاومة، أو عدم دعمها والملامة على المتقاعسين عن قتال العدو:
﴿وَمَا لَكُمْ لَا تُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَالْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ وَالْوِلْدَانِ﴾.
﴿أَمْ حَسِبْتُمْ أَن تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَعْلَمِ اللَّهُ الَّذِينَ جَاهَدُوا مِنكُمْ وَيَعْلَمَ الصَّابِرِينَ﴾.
عدم الاستماع إلى المرجفين:
﴿الَّذِينَ قَالَ لَهُمُ النَّاسُ إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ فَزَادَهُمْ إِيمَانًا﴾.
﴿إِنَّمَا ذَٰلِكُمُ الشَّيْطَانُ يُخَوِّفُ أَوْلِيَاءَهُ فَلَا تَخَافُوهُمْ وَخَافُونِ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ﴾.
﴿فَتَرَى الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِم مَّرَضٌ يُسَارِعُونَ فِيهِمْ يَقُولُونَ نَخْشَىٰ أَن تُصِيبَنَا دَائِرَةٌ﴾.
من النبوءات القرآنية
﴿وَمَا رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ وَلَٰكِنَّ اللَّهَ رَمَىٰ﴾.
دقة الإصابات بتوفيق من الله.
هروب الأساطيل وجنود العدو:
﴿لَن يَضُرُّوكُمْ إِلَّا أَذًى وَإِن يُقَاتِلُوكُمْ يُوَلُّوكُمُ الْأَدْبَارَ ثُمَّ لَا يُنصَرُونَ﴾.
التحطيم المعنوي لجيش العدو:
﴿فَقَذَفَ فِي قُلُوبِهِمُ الرُّعْبَ يُخْرِبُونَ بُيُوتَهُم بِأَيْدِيهِمْ وَأَيْدِي الْمُؤْمِنِينَ﴾.
الثقة في وعد الله، والله لا يُخلف وعده:
﴿وَلَنَجْزِيَنَّ الَّذِينَ صَبَرُوا أَجْرَهُم بِأَحْسَنِ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾.
﴿وَلَيَنصُرَنَّ اللَّهُ مَن يَنصُرُهُ﴾.
ما عند الله خير مما عند أمريكا والصهاينة:
﴿مَا عِندَكُمْ يَنفَدُ وَمَا عِندَ اللَّهِ بَاقٍ﴾.
وعذاب الله أشدّ من عذاب أمريكا والصهاينة:
﴿فَيَوْمَئِذٍ لَا يُعَذِّبُ عَذَابَهُ أَحَدٌ﴾.
الموت حق على المجاهد والقاعد، فأبراج الزجاج لا تحمي منه
﴿أَيْنَمَا تَكُونُوا يُدْرِككُّمُ الْمَوْتُ وَلَوْ كُنتُمْ فِي بُرُوجٍ مُّشَيَّدَةٍ﴾
