الألسنية العامة بين الفلسفة والمنطق المداخلة الأولى: في اللاهوت 14

بقلم/ مهدي امبيرش
في هذه المداخلات التي عرضناها فإن الكثير من الأفكار، سواءً قدمت موجزةً في صورة علامات أو إشارات وربما رموز، مع الفرق بين علاقة كل واحدة منها بالمفاهيم والأفكار التي تصدر عن الذهن والتي ترتبط بمنهج أو مناهج التفكير التي قلنا ونحن نتحدث عن منهج التفكير العربي أن الاختلاف بين الأمم هو اختلاف في اللسان وليس في اللغة، فاللسان ليس هو العضو أو الجارحة التي في الجسم، بل إنه مجاز بذكر البعض وإرادة الكل، أي أن اللسان يحيلنا إلى كل العمليات التي تتم في الذهن وإلى ولادة الأفكار التي بفعل الطاقة الفيزيائية والتفاعل الكيميائي والمؤثرات التي تتم على الأنسجة والأعصاب والخلايا لابد من قذفها أو عبورها خارج الذهن،وهو يكون اللفظ في العربية قريب من الرفض واللفظ الذي بهذا الوضع لابد من إخراجها، فبقاؤها داخل الذهن يحدث توترًا وقلقًا، ولهذا نقول إن التعبير هو حاجة أساسية، وليس قضية قانونية حتى يمكن أن نتحدث عن حق التعبير بل هي حاجة ترتبط بالإنسان وكرامته، إذ قد سبق أن ذكرنا في معرض الحديث في مقاربة لسؤال: ما الإنسان، أن الله عندما نفخ من روحه في آدم عليه السلام تطور آدم إلى المرحلة الأخيرة من الفيزياء، التراب والماء إلى الحياة الحيوانية، أو البشر إلى الإنسان، ومن ثَم صار في مقدور هذا الإنسان أن يتكلم.
إن الكلمة ليست هذه العملية التي قلنا إنها اللفظ أو الرفض أو التعبير، بل الكلمة هي القدرة على الخلق والإبداع، كما أنها تكشف عن مشيئة وإرادة، ومن ثَم تكون الكلمة مسؤولة، ونقصد بذلك أنها تفتح أمامنا فضاءات للبحث عن عملية الكلام التي لا يمكن أن نتوقف في قراءة العربية عن هذه الأساليب في الاقتصار عن اللغة أو قواعد اللغة، بل تحتاج إلى فرق من المتخصصين في كل معطيات العملية الذهنية.
أشرنا في المداخلة السابقة إلى بعض ملامح منهج التفكير عند سقراط التي صاغها أفلاطون في صورة محاورات تعرف بمحاورات أفلاطون، كما ذكرنا الخلاف الذي تَم بين سقراط والمتكلمين (السفسطائيين) الذي يكشف في نفسه عن فرق كبير لايزال قائمًا إلى اليوم بين الإنسان الذي يعيش في المدينة والإنسان الذي يعيش في مجتمع زراعي، حيث ينتصر الأخير للطبيعة وقوانين الطبيعة كما يثيره الزمن ومواسم الزراعة والاقتطاف والجَني، أي سيكون أكثر وعيًا بارتباط هذه كلها بعملية الامتداد التي يطلع عليها الزمن، كذلك سيكون أكثر وعيًا بالحركة والتغير أو الصيرورة والتحول.
هذا الوضع سنجده يتكرر إلى اليوم، فالخلاف بين من يقولون بالمثالية أو الانتصار للاسم أو المجرد ويرون أن التعبير الدقيق لا يكون إلا بلغة الأعداد المجردة وهو فهم قريب مما يعرف بالصوفية هذا إذا فهمنا مصطلح الصوفية وهو مصطلح فينيقي عروبي من الصفاء والطهارة والتجرد، وهو الذي يظهر الفرق بين موقف سقراط وأفلاطون من الانتصار للمعرفة القبلية، كما ذكرنا بإيجاز الحوار الذي تم في محاورة كراتيلوس التي دارت بين سقراط وكراتيلوسهيرموجينيس، واللذين يعتبران من السفسطائيين أو المتكلمين الذين كانوا يعيشون في منطقة زراعية في أسيا الصغرى، وبحكم نمط الحياة نفسه سيكون الاختلاف الذي أشرنا إليه بين الاسم والفعل، بين انتصار سقراط للأسماء وبين انتصار السفسطائيين للأفعال، هذه الثنائية أشرنا إليها في مدخلات سابقة على أنها نتاج اللاهوت، أي القول إن الكون هو ثنائية السماء حيث المقدس والمجرد والطاهر الذي لا مادة فيه، وبين الأرض حيث المادة والحركة والتغير.
كانت المحاورة تدور في ذات المَنحة حول سؤال هل الأسماء طبيعية أم اتفاقية، بداهةً سوف ينتصر أفلاطون إلى القول إن الأسماء في الغالب أسماء إلهية أو أسماء مقدسة، وهذا ما يجعل أفلاطون يقول إن هذه القداسة ستكون من حق بشر مقدسين، حيث جاء بالمقولة الفينيقيّة الذي ذكرها في كتابه القوانين من أن الناس معادن، وأن هناك من خلق من معدن الذهب وهناك من خلق من معدن رديء، الأول ينتسب إلى المقدس أو الإلهي أو الاسم المجرد أو الساكن، والثاني من المعدن الرديء أو المادة المتغيرة، الأول بمثابة الرأس والثاني بمثابة البطن والشهوات، الأول يَحْكُم والثاني يُحكَم، وبالتعبير القديم المتجدد أن الأول هو الأرستوقراطي أو السيد، والثاني هو من الديموس أو السواد، فإذا أُمْكِنَ له أن يحكم أو يستولي على السلطة فيكون نظاما ديموقراطيًا، وهذا الموقف واضح من عداء أفلاطون للجماهير التي نعلم تاريخيًا أنها وصلت إلى السلطة وأنها كانت وراء إعدام سقراط.
المشكلة الآن هي في الاعتراف بالفراغ بين السماء والأرض، وهذه تحتاج إلى تصورٍ لموجود يملأ هذا الفراغ. في الخرافة المصرية اليونانية أشرنا في الأولى إلى تحوت الذي كان يفصل بين الفرعون والشعب، وفي الخرافة اليونانية كان هناك هرمس الذي بدوره له الحق في التأويل أي في معرفة القصد الإلهي الذي يتكلم لغة مجردة، حيث له القدرة على أن يحول هذه اللغة المجردة أو المقدسة أو الطاهرة إلى لغة حية ومتحركة يفهمها الناس، وبذا تكون فكرة الوسيط اللاهوتية التي ينهض بها المقدوني أرسطو الذي يقول بأن الصور الأفلاطونية المفارقة في السماء يمكن إنزالها إلى الأرض، وربما يمكن القول إن أرسطو هو أول من نظر إلى الحلولية، وتكون هذه النزعة مختلفة عن فكرة المعراج القديمة التي قلنا إن أفلاطون أخدها من الشامانية الهندية التي انتقلت عند الفرس إلى تصور جسدي يجعل من زرادشت يصعد إلى السماء على حيوان خرافي بين البغل والحصان، وهي نفس الفكرة التي أدخلها الإيرانيون في قصة معراج الرسول صلى الله عليه وسلم. ولأن هذه الأفكار تحتاج إلى مزيد من الإيضاح نرجئها إلى مداخلات قادمة.
