أين التناقض منا؟

بقلم/أحمد البرشة
بلى.. نحن نعيش في قطيعةٍ مع ذواتنا، نرفع شعار الوحدة ونخفي في قلوبنا جذور التفرقة. نردد أن الأكرم عند الله أتقاهم، ثم نصنف البشر درجاتٍ: هذا “فوال” وذاك “زلمة” والآخر “تشادي”، وكأننا ننسى أن التقوى لبٌّ لا يُقاس بغلافه.
ندعي أننا نتمسك بحبل الله جميعًا، ثم نخاف على أرزاقنا من أعين “الطامعين”، نرتجف على ثرواتنا وكأن رزق الأمة محصورٌ في خزائن لا في إرادة أبنائها. نبكي حين نرى الأنصار وهم يتقاسَمون الخبز مع المهاجرين في فيلم الرسالة، لكننا نهمس في قرارة أنفسنا: “هل يعني هذا أنني أقبل بالوحدة والاعتصام بحبل الله مع المصري أو التونسي ليقاسمني بئر النفط “لا لا عليهم.. مش علينا”.
نعجب بصمود الفيتنامي وهو يدافع عن تراب أرضه، لكننا حين تواجهنا المحن نقول: “الإيد ما تعاند المشفّة”.. ننسى أن الأيدي المتوضئة بالعزيمة تستطيع أن تحفر الجبال.
نمجّد عمر المختار وهو يقاتل ببندقيته العتيقة، ولم يذق طعم الموز في حياته، بينما نحن لا نتحمل أن ينقطع عنا الموز الكولومبي! نريد النصر بلا ثمن، نطلبه من كتب التاريخ، وننتظره في الدعاء، نتمنى معجزة تزلزل الأرض تحت الأعداء من غير أن نُصاب نحن بأذى، بل ونطلب أن تظل موائدنا عامرةً بالتفاح اللبناني!
نصفق للبطل خليفة بن عسكر وهو يقاتل بقربة ماء، ولا فرق عنده بين من يحتل ليبيا أو تونس وعندما استفزته صرخة سيدة حرة لم يسأل من أي ناحية أو جهة هي، ونبصق على الخائن الذي سحب الكرسي من تحت قدميه، ونلعن الذي وزّع المشروبات يوم قُطعت رأس الفضيل، ويفرح أحفاده مع من حز رأس جدهم، لكننا ننسى أن الخيانة الحقيقية هي أن نعيش في الهامش، ونكتفي بقذف اللعنات ملء أفواهنا.
نفتخر بصالح لاطيوش الذي ضحى بابنه أسيرًا في سرت ولم يَفُتّ ذلك في عضده، نفتخر، ثم نعود إلى بيوتنا لنشاهد غزة وهي تُذبح، فنرفع أكف الضراعة إلى الله، ونطلب أن يزلزل الأرض من تحت أقدامهم، ونأكل آخر تفاحة في سلة بيوتنا، ثم ننام!
أين التناقض منا؟ أين الجسر بين ما نؤمن به وما نفعله؟ لنبحث عن إجابة قبل أن يصلنا قطار الموت القادم من الشرق.
أين نحن ممن قالوا بدون هتافات ولا شعارات لا شرقية ولا غربية والتقوا في سرت الصمود ورفضوا المصالحة مع العدو الإيطالي وشكلوا وفدًا من المنطقة الشرقية صالح لاطيوش والشيخ نصر الأعمى والشيخ خالد القيصة والشيخ صالح السنوسي وعبدالهادي البراني ومن المنطقة الغربية عمر بو دبوس، محمد نوري السعداوي، الشتيوي بن سالم، الصويعي الخيتوني، والحاج صالح بن سلطان، و أحمد السويحلي وكل مطالبهم هي توحيد كلمة المجاهدين ضد الإيطاليين، لم يطلب أيٌّ منهم الزعامة لنفسه، بل كانت نفوسهم تمتلئ وجعًا لأنه رغم عظمة نصر القرضابية كان بالإمكان القضاء يومها على كل الجيش الإيطالي.
