في الصهيونية الجديدة

بقلم/ عبد الكريم مسعود كشكر
حين قال الرئيس الأمريكي السابق جو بايدن: «لا يجب أن تكون يهوديًا لتكون صهيونيًا»، لم يكن يروي حكاية شخصية عن والده، بل كان يعلن، من حيث لا يدري، ولادة طور جديد من الصهيونية السياسية. فالمسألة لم تعد مرتبطة بعقيدة أو انتماء ديني، بل بوظيفة سياسية وأمنية وأيديولوجية يمكن لأي فاعل أن يؤديها ما دام يخدم بنية السيطرة ذاتها، لقد تحررت الصهيونية من قيد الهُوية، وصارت أداةً عابرة للديانات والقوميات، تستوعب في داخلها من يجد مصلحته في بقاء نظام الهيمنة كما هو، هذه النقلة لم تكن غريبة على من قرأ المشروع الصهيوني كما حلّله عبد الوهاب المسيري. فالمسيري، قبل عقود، وصف إسرائيل بأنها «دولة وظيفية» أُنشئت لتخدم مصالح الإمبراطوريات الغربية، ثم توسّع في تعريف ما سماه «الصهيوني الوظيفي»؛ أي ذلك الذي لا ينتمي إلى العقيدة اليهودية، لكنه يتبنى دورًا يخدم أهدافها: السياسي الذي يبرر الاحتلال، الإعلامي الذي يزوّر الحقائق، الاقتصادي الذي يفتح الأسواق أمام المحتل وأدواته، والمثقف الذي يصنع غطاءً أخلاقيًا للقتل ويبتكر في سبيلها الحجج. هؤلاء جميعًا يشكلون الطيف العريض من الصهيونية الحديثة – صهيونية بلا توراة، ولا حتى ذاكرة مقدسة، لكنها تملك كل أدوات التبرير والسيطرة.
غير أن أخطر ما كشفته أحداث العامين الأخيرين ليس صهيونية العدو، بل الصهيونية المقنّعة التي تسللت إلى داخل الوعي العربي تحت ستار «الوطنية». فحين تتحول الوطنية إلى قوقعةٍ أخلاقية تُقصر الانتماء على الحدود التي رسمها لنا المستعمرون، وتتعامل مع الإبادة وكأنها «شأن داخلي فلسطيني»، فإنها لا تختلف جوهريًا عن الصهيونية نفسها في منطلقها: كلاهما يلغي البعد الإنساني المشترك، وكلاهما يرى العالم من نافذة ضيقة لا تتسع لوجع الأخ القريب. هذه الوطنية المنكفئة، التي سادت في أغلب الأقطار العربية بعد موجات الانقسام والخذلان، لم تكن سوى قناع جديد يُخفي عجزًا أخلاقيًا مزمنًا. فهي ترفع راية السيادة لتبرر الصمت، وتستدعي مبدأ عدم التدخل لتتجنب مواجهة الضمير لتهرب بها من تساؤلات المصير.
إن الصمت الشعبي الذي رافق عامين من الإبادة الجماعية في غزة ليس مجرد موقف سلبي، بل نتيجة بنية فكرية وإعلامية جرى هندستها بدقة. فالصهيونية الجديدة لا تعتمد على المدافع والطائرات وحدها بقدر ما تعتمد على أدواتٍ أخرى: الخطاب والصورة والمنظومة الرقمية الحديثة. الإعلام التقليدي يعيد تعريف الجريمة، فيحوّل قصف المدنيين إلى «عملية عسكرية»، ويجعل القاتل والمقتول طرفين متكافئين في «نزاع». أما الإعلام الرقمي، فقد صار ميدانًا خفيًا للهيمنة؛ فخوارزميات المنصات تحجب ما تشاء وتضخّم ما تشاء، تصنع فقاعات وعي مغلقة تُطبع العقل الجمعي على البلادة الأخلاقية، وتحوّل المأساة إلى خبرٍ عابر وسط تدفق الترفيه. ثم يأتي الاقتصاد ليكمل الدائرة: أنظمة مربوطة بمصالح مالية وأمنية تجعل التضامن مع المظلوم مخاطرة غير مأمونة، وتحوّل الخوف إلى سياسة رسمية، بهذا المعنى، لم تعد الصهيونية مشروعًا خارجيًا فحسب، بل نمطًا من الوعي والوظيفة يتسلل إلى داخل مؤسساتنا، وإلى خطابنا الإعلامي والثقافي، بل حتى إلى اللغة التي نصف بها العالم. كل من يبرر التجاهل، أو يطبع الصمت، أو يساوي بين الجلاد والضحية، يمارس شكلًا من الصهيونية الوظيفية.
إنها لم تعد تحتاج أن «تُهوّد» الآخرين؛ يكفي أن تجعلهم يرون العالم كما تراه هي، ولعلّ معركة الوعي اليوم أخطر من كل المعارك العسكرية. فالقذيفة تقتل جسدًا، أما السرد فيقتل المعنى. ولذلك، فإن مواجهة الصهيونية الجديدة لا تكون بالانفعال الأخلاقي ولا بالشعارات، بل بإعادة بناء الأفق العربي نفسه: أفقٌ معرفيٌّ حر، يعيد الاعتبار للإنسان قبل الهوية، وللمسؤولية قبل السيادة. علينا أن نستعيد قدرة التفكير في «المشترك»، لا في «القطري»، وأن نكسر حدود الصمت التي جعلت المأساة ممكنة. فالصهيونية لم تنتصر بقوتها فحسب، بل بضعفنا الذي جعلها ممكنة، وإذا كانت عبارة بايدن تعبّر عن حقيقة هذا العصر، فإن ردّنا الأخلاقي والسياسي عليها يجب أن يكون نقيضها تمامًا: لا يجب أن تكون صهيونيًا لتكون إنسانًا.
