مشاريع ومخططات ومآرب!

بقلم/ مصطفى الزائدي
الشرق الأوسط الجديد الذي طرحه في تسعينيات القرن الماضي الإرهابي شمعون بيريز، يعني بناء دولة إسرائيل الكبرى من النيل إلى الفرات، وفق الخطة الصهيونية التي تبنتها ودعمتها بريطانيا.
وخطة “الفوضى الخلاقة” التي أطلقتها وزيرة الخارجية الأمريكية السابقة كوندوليزا رايس لم تكن سوى برنامج تنفيذي على مراحل لتهيئة الظروف لإعلان تلك الدولة المزعومة. احتوت الخطة على عدة برامج عمل من عدة مراحل، تأسست على نشر الفوضى في المنطقة وإشعال فتيل الصراعات والحروب بهدف القضاء على الأنظمة الوطنية التي ظهرت بعد مرحلة الاستقلال الوطني وتعززت بعد الثورة الناصرية في مصر، وإنهاء محاولاتها بناء دولة عربية قوية قادرة على المنافسة في عالم الصراع المتواصل بين الدول الكبرى، وركزت برامجها الدعائية والسياسية والاستخباراتية على إشعال فتنة ما سُمِّي زورًا “الربيع العربي”، وخصّص لذلك الغرض أموال خيالية، وعملت الخطة على إيصال مجموعات من القتلة والمجرمين والتافهين إلى السلطة لتكوين أدوات بأسماء ومسميات عربية تقبل المساهمة في تحقيق المشروع الصهيوني الكبير، بدأ بضرب العراق وإيران في آن واحد فيما سُمِّي “الاحتواء المزدوج”، فأشعل حربا طويلة بين الدولتين بدون أسباب حقيقية، كما زرع فتنة بين العراق والكويت وشجع العراق على ضمها إليه، فاندلعت حرب الخليج الثانية والثالثة التي أدت إلى إسقاط الدولة العراقية وتفتيتها وتوزيع ما تبقّى منها على ميليشيات مسلحة كانت قد أُعدّت ودُرِّبت مسبقًا من قبل الدوائر المخابراتية الغربية.
في عام 2011 وجد الغرب أن الفرصة سانحة لتنفيذ ضربة واسعة وشاملة للأنظمة الوطنية، فأحرق “البوعزيزي” نفسه عمدًا في تونس ليشعل فتيل فتنة كبرى امتدت إلى الشام واليمن مرورًا بليبيا ومصر، فسقطت الأنظمة الوطنية وتحولت ليبيا وسوريا خاصة واليمن إلى حد كبير إلى ساحة معركة متواصلة في حرب أهلية بلا أسباب ولا مقدمات. ونجح الغرب بقيادة الولايات المتحدة في تمكين مجموعات من المجرمين والقتلة والتافهين من الوصول إلى السلطة في تونس وليبيا وسوريا، أما في اليمن فلقد شجّعت أمريكا دول الخليج على شن هجوم على قوات أنصار الله لمنعها من السيطرة على اليمن ودفعت الدول الخليجية واليمن تكلفة باهظة من الأرواح والإمكانات الاقتصادية في حرب أقل ما توصف بها، أنها “عبثية”. في مصر كان الوضع مختلفًا، فلقد نجحت الأجهزة الأمنية والقوات المسلحة المصرية في استيعاب الضربة، وقبلت بوصول المجموعات الدينية المرتبطة بالغرب إلى السلطة لإظهار عورتها وفشلها في قيادة أي مشروع نهضوي، ما دفع بالمصريين إلى الانتفاض عليها عام 2013 وإسقاطها في ثورة شعبية كبرى.
أما في ليبيا فلقد مكن الغرب مجرمين وقتلة محترفين وإسلاميين متشدّدين وتافهين ومرتزقة، من الذين دُرِّبوا وأُعِدّوا في الغرب وخاصة الولايات المتحدة، من السيطرة على البلاد من شرقها إلى غربها، فعاثوا فيها فسادًا ونهبًا، وعملوا ما استطاعوا على نشر فتن قبلية وجهوية ومذهبية، كما أثخنوا الناس بالقتل فكانت الرؤوس تقطع في الميادين والساحات والمساجد، وصلبوا أسرًا كاملة في الشوارع، وامتلأت السجون بالقادة السياسيين والمثقفين والمعارضين لسياسات الغرب الاستعمارية؛ تعرضوا داخلها إلى أنواع من التعذيب لم تذكرها البشرية إلا في العصور الوسطى من استعمال الخوازيق إلى طبخ الناس أحياء وتقطيع أطرافهم.
لكن أبناء القوات المسلحة والشباب الوطني قادوا ملحمة كبرى وأعلنوا ثورة الكرامة التي نجحت في سنوات قليلة في تطهير معظم أجزاء البلاد منهم، إلا أن المجتمع الدولي الذي هو واقعًا أمريكا، والذي يضع إقامة إسرائيل الكبرى ضمن أول أهدافه الاستراتيجية، لم يسمح للقوات المسلحة أن تستكمل فرض سيطرتها على كل البلاد وتعيد الأمر إلى نصابه، لتستمر حالة العبث السياسي والفوضى الأمنية والانهيار الاقتصادي والنهب الممنهج.
هذه الوضعية الناتجة عن “الربيع العربي، أو العبري وفق التسمية الصحيحة” وجد فيها العدو أن الظرف الإقليمي مناسب ليعلن رسميًا وعلى لسان مجرم الحرب نتنياهو عن إقامة إسرائيل الكبرى وينشر رسميًا لأول مرة خارطتها التي كانت تُسرّب فقط من دوائر استخباراتية، وأن ينفذ عملية عسكرية وحشية لتطهير فلسطين من الفلسطينيين وإخراجهم منها موتى أو أحياء، بشن حرب وحشية واسعة على المدنيين العُزّل في غزة التي تشهد منذ سنتين أبشع إبادة جماعية عرفتها الإنسانية على مدى تاريخها، امتزج فيها القتل بالنيران والصواريخ مع القتل بالتجويع، مع حصار كامل وشامل على منطقة يقطنها أكثر من مليوني إنسان، ولم يأبه العالم الذي تمثّله أمريكا لمعاناتهم ولم يستجب لنداءات الاستغاثة من غزة، كما لم يأبه أيضًا لمواقف شعوب العالم المؤيدة كلها لفلسطين، بما فيها الشعب الأمريكي، واستمر في دعم الكيان في حرب الإبادة في غزة وفي توسيعها لتشمل لبنان وسوريا حيث نجح في إسقاط ما تبقّى من النظام الوطني فيها وإقامة سلطة بشكل مسرحي من ميليشيا كانت مصنفة إرهابية، لكنها في الواقع مصنّعة في إسرائيل.
من أهم أهداف هذه البرامج السياسية والدعائية والحربية إيصال تافهين ومجرمين إلى السلطة في الوطن العربي والعالم الإسلامي، لكي يساعدوا في تمكين العدو من تحقيق نصر عسكري كاسح دون خسائر، ويفرض الكيان كلاعبٍ متفرد قوي في المنطقة ويُعجّل بتحقيق النبوءة التوراتية في إقامة إسرائيل الكبرى!
