قطر.. الإدانة ضد مجهول

بقلم/ ناجي إبراهيم
لا حليف ولاصديق في القاموسالأمريكي، فقط عميل أو عدو، قلنا لهم أمريكا تخلت عن شاه إيران ولم تحمه وانحازت إلى مصالحها التي اقتضت عدم الدخول في معركة غير مضمونة العواقب ضد الشعب الإيراني وهي الخارجة للتو من هزيمة ثقيلة في فيتنام، وتخلت عن بونيشيه في تشيلي، ولم تحم هي سيلاسي، وهربت من أفغانستان تحت ضربات المقاومة، وتركت كارازياتها يواجهون مصيرهم، ورأيناهم يتساقطون وهم يتعلقون في عجلات الطائرات.
هي صحيح شنت حروبًا لا حد لها وأسقطت نظمًا وجندت كل أدواتها ومن يعتقدون أنهم أحلافها غير أنها لا تراهم كذلك واستفادت من أموالهم لتمويل حروبها، واستخدمت أراضيهم كقواعد للعدوان، واعتقد العملاء الذين قدموا لها الدعم ومنحوها التسهيلات أنها حليف يمكن الوثوق به، رغم أن التجارب التاريخية القريبة والبعيدة تقول غير ذلك، بعضهم مضطر لحماية عروشهم، وبعضهم تورط في عدوات وخصومات وحتى حروب مع جيرانه، فمضى في هذه الطريق التي لايرى لها نهاية.
بالأمس وعقب العدوان الذي استهدف الأراضي القطرية وانتهاك سيادتها التي باتت بعد الأمس محل نظر من الناحيتين القانونية والجوسياسية، قال رئيس وزرائها ووزير خارجيتها إن استضافة حركة حماس على الأراضي القطرية كانت رغبة أمريكية وإسرائيلية.
قبله أعلن محمد بن سلمان وهو يخلع رداء الوهابية ويُحل الحرام الذي حرمته أن دعمهم لتنظيم القاعدة وتصدير الفكر الوهابي كان أيضا رغبة أمريكية وبطلب منهم لإغواء الشباب المسلمين بالتورط في حرب أمريكا والغرب ضد الاتحاد السوفييتي في أفغانستان.
ترامب في ولايته الأولى عاد محملا بأطنان من الذهب والفضة وقالها علنا نحن نأخذ ذلك ليس منة منكم هو مقابل الحماية التي نوفرها لكم، بل هددهم أن عروشهم ستنهار في ساعات إذا تخلت أمريكا عن حمايتهم.
وكرر ذلك مع بداية ولايته الثانية وجمع في أسبوع واحد أكثر من 3 تريليونات دولار، وأهدته قطر طائرة رئاسية (القصر الطائر) بلغت قيمتها أكثر من 200مليون دولار، وكرر نفس القول مقابل حمايتكم، وذهب إلى أبعد من ذلك حيث اعتبر الأراضي التي تحتلها القواعد الأمريكية أرضًا أمريكية، هذا السخاء الذي لا حدود له لم يعطهم إدانة أو شجبًا على لسان ترامب أو أحد الناطقين في البيت الأبيض.
الطائرات التي قصفت الدوحة عبرت أجواء دول عربية، ومن المؤكد أنها تزودت بالوقود في الجو وتلقت دعما لوجستيا من القواعد المتواجدة في المنطقة ومنها السيلية، ما يكشف أن الأموال والقواعد لم تحمهم عندما كان المعتدي يتشارك مع أمريكا في الهدف وفي رسم خرائط جديدة للمنطقة توفر هيمنة تامة وكاملة للكيان الصهيوني، وهو يتقاطع مع مايجري في غزة ويكمل الجهد الذي تنفذه القوات الصهيونية شمالا في سوريا ولبنان وجنوبا في اليمن وحتى شرقا في إيران.
ما لم يستوعبه العرب من الأحداث التي جرت بعد احتلال العراق والربيع العبري الذي أسقط كل الحواجز وأزاح الخنادق التي كانت تعوق تقدم مشروع الشرق الأوسط الذي خططت له دوائر القرار في الولايات المتحدة الأمريكية، وكانت النظم العربية الحارس الأمين لسايكس بيكو وأفشلت أي توجه للوحدة العربية.
هل تستطيع هذا النظم الصمود أمام المشروع الجديد الذي يطرحه نتنياهو وهي بهذا الضعف والتشرذم؟
قطر وقبل أن ينحسر دخان العدوان وقبل أن تواري جثامين الشهداء الثرى وقبل أن تجف دماء جرحاها توعدت على لسان قادتها بأنها تحتفظ لنفسها بالرد على العدوان، توقعت أنها ستذهب على الفور لإغلاق سفارة الكيان في الدوحة وقطع أي تواصل مع العدو وتجهيز بعض من الصواريخ التي أنفقت عليها تريليونات الدولارات لرد العدوان بعدوان إلا أنها ذهبت تذرف دموعها على أعتاب مجلس الأمن، الذي أدان العدوان دون أن يسمي المعتدي حفاظًا على مشاعر الكيان الصهيوني، دون أي اعتبار لضحايا العدوان (كلب طاحت عليه رشادة) ونزولا عند رغبة صديقتكم وحاميكم أمريكا حتى لا تستخدم حق الفيتو، وعادوا ببيان يقيد الجريمة ضد مجهول رغم أن الجاني يجاهر بجريمته على الملأ، ويتعهد أن سيعيدها وسيطارد قادة حماس إذا لم تقم قطر بطردهم من أرضها،
وأتوقع أن تكون الخطوة القادمة هي إما تقويض أي تواجد لحماس على الأراضي القطرية كما فعلت سوريا الجولاني وعلى أقل تقدير تقييد تحركاتهم وفرض شروط نتنياهو، وربما اللوم لا يقع على قطر ودويلات الخليج التي لا تملك من أمرها شيئا ولا قدرة لها على معارضة السياسات الأمريكية والصهيونية (هي مأمورة).
اللوم يقع على قيادات المقاومة الفلسطينية وخاصة ذات التوجه الإسلامي والتي انخرطت في مؤامرة الربيع العبري وساهمت في إسقاط النظم العربية والقومية والممانعة، وانحازت للأيدلوجية الإسلامية المغشوشة التي تصدر فتاواها من لندن، وتخلت عن المصلحة الوطنية والقومية، وهاهي الآن تحصد نتائج تحالفها مع دويلات تنفذ أدوارا وظيفية لمصلحة المشروع الأمريكي الصهيوني وحتى لن تستطيع حمايتها.
أمريكا لا تحمي أحدا، هذا ما تقوله تجاربها في مناطق عديدة من العالم، ولكنها تهرب متى تعرضت للخسائروبلغت تكلفة بقائها أعلى بكتير من تكاليف رحيلها.
