ملفات وتقارير

صحوة أوروبية تهدد عرش الاحتلال



تقرير ـ سيد العبيدي


تشهد أوروبا حراكًا متصاعدًا على المستويين الشعبي والرسمي نتيجة حرب الإبادة الجماعية المستمرة في قطاع غزة منذ السابع من أكتوبر 2023، حيث تتواصل المظاهرات الضخمة في عواصم الاتحاد الأوروبي إلى جانب قرارات حكومية وبرلمانية تضغط باتجاه وقف الحرب وتطبيق القانون الدولي.


وقد بلغ هذا الحراك ذروته في أروقة الأمم المتحدة عندما صوّتت الجمعية العامة بأغلبية ساحقة على “إعلان نيويورك” الداعي إلى خطوات ملموسة ومحددة زمنيًا وغير قابلة للتراجع نحو تطبيق حل الدولتين. الإعلان، الذي أيدته 142 دولة بينها أغلب الدول الأوروبية، نصّ على الاعتراف بدولة فلسطين المستقلة على حدود الرابع من يونيو 1967، في خطوة تعدّ تحولًا نوعيًا في الموقف الدولي وتزايدًا للضغط السياسي والدبلوماسي على الاحتلال لإنهاء احتلاله وإحياء مسار التسوية.
وتعدّ إسبانيا النموذج الأبرز في قائمة الدول الأوروبية التي تطالب بفرض عقوبات رادعة على إسرائيل نتيجة حرب الإبادة الجماعية المستمرة على قطاع غزة منذ السابع من أكتوبر 2023. كما تعتبر الحكومة الإسبانية من أشدّ الأصوات انتقادًا لإسرائيل، حيث تبنّت مواقف وتصريحات وقرارات واضحة وصارمة لم تسبقها دولة أوروبية أو عربية من قبل في هذا الاتجاه.


الإجراءات والقرارات الإسبانية


لم تكتفِ إسبانيا بالتصريحات السياسية والدبلوماسية، بل ترجمت مواقفها إلى إجراءات قانونية ودبلوماسية وعملية، أهمها حظر شامل لتجارة الأسلحة وذلك عبر مشروع قانون/مرسوم لفرض حظر كامل على بيع أو شراء الأسلحة والمعدات العسكرية مع الاحتلال، وتشريعات لتقنين الموقف في القانون الإسباني.
كما قررت الحكومة الإسبانية حظر دخول السفن والطائرات التي تنقل معدات عسكرية أو وقودًا مخصصًا للقوات الصهيونية ومنع السفن التي تنقل الوقود للقوات الصهيونية من الدخول إلى الموانئ الإسبانية، وكذلك منع الطائرات التي تحمل مواد دفاعية أو عسكرية من استخدام الأجواء الإسبانية.
كما حظرت إسبانيا دخول أشخاص متورطين في الجرائم أو الانتهاكات ومنع دخول أعضاء الحكومة الصهيونية ذوي التوجهات المتطرّفة مثل إيتامار بن غفير وبتسئيل سموتريتش، مع توسيع قائمة الحظر لتشمل من يُعتقد أنهم مسؤولون عن جرائم حرب، وانتهاكات حقوق الإنسان، والانتهاكات الإنسانية في غزة.
كما قررت الحكومة الإسبانية حظر المنتجات القادمة من المستوطنات غير القانونية، وحظر استيراد منتجات تُنتج في المستوطنات الصهيونية في الضفة الغربية أو غزة، باعتبارها غير قانونية بموجب القانون الدولي، هذا إلى جانب تعزيز المساعدات الإنسانية إلى فلسطينيي غزة والسلطة الفلسطينية وزيادة المساعدات المالية، مع مشروع لميزانية قدرها 150 مليون يورو لعام 2026 مخصصة لغزة، كما قررت تقديم دعم أوسع لوكالة الأمم المتحدة لغوث وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين “الأونروا” إلى جانب إجراءات دبلوماسية وتصعيد إعلامي.


تصعيد دبلوماسي ضد الاحتلال


كما استدعت مدريد القائم بأعمال السفير الصهيوني احتجاجًا على تصريحات رسمية من الاحتلال واتهامات متبادلة بأنّ الحملة العسكرية الصهيونية على قطاع غزة فعل غير مبرّر وغير مشروع بموجب القوانين الدولية الإنسانية.
وفي مايو 2024، اعترفت إسبانيا بالدولة الفلسطينية، وأعلنت دول غربية أخرى، بينها بريطانيا وفرنسا وأستراليا وكندا وبلجيكا، اعتزامها الاعتراف بفلسطين خلال اجتماعات الجمعية العامة للأمم المتحدة الشهر الجاري.
من جهته وصف رئيس الوزراء بيدرو سانشيز الحملة العسكرية الصهيونية بأنها “إبادة جماعية” ضد الشعب الفلسطيني، منتقدًا ما وصفه بأنه انتهاك للقوانين الإنسانية.
وأشار إلى أن بلاده، رغم افتقارها إلى أسلحة إستراتيجية كالقنابل النووية أو حاملات الطائرات، ستواصل السعي إلى وقف ما وصفها بـ”الإبادة الجماعية” في غزة، مؤكّدًا أن “هناك أهدافًا تستحق النضال من أجلها، حتى لو لم يكن النصر ممكنًا بقدراتنا وحدها”.
كما طالب وزير الخارجية الإسباني جوسيه مانويل ألباريس بفرض عقوبات فورية وعالمية على الكيان الصهيوني، بما في ذلك وضع حدّ لتصدير الأسلحة، ودعا إلى تعليق الشراكات التجارية، وعقد دولي يجمع دولًا أوروبية وعربية لمناقشة المسار العقابي.


إلى ذلك انتقدت نائبة رئيس الحكومة يولاندا دياز استخدام “الجوع كسلاح حرب” من قبل الكيان الصهيوني، ودعت إلى تنفيذ فوري لحظر بيع الأسلحة وقطع العلاقات التي تدعم العمليات العسكرية في غزة.

السياق السياسي والإقليمي


تأتي هذه الإجراءات في سياق تحالف حكومي في إسبانيا حيث الأحزاب اليسارية (PSOE) وحلفاؤها من أحزاب الوسط-واليسار تضغط نحو مواقف أكثر تشدّدًا تجاه الاحتلال الصهيوني. وتستضيف إسبانيا مؤتمر “مجموعة مدريد” الذي يضم دولًا عربية وأوروبية، كمنصة لخلق ضغط دولي مشترك لإلزام الاحتلال بوقف الحملة العسكرية وتشديد العقوبات.
وتراهن الحكومة الإسبانية على أن هذه الخطوات، رغم احتمال عدم فاعليتها الكاملة على الأرض، تشكّل رسالة قوية للمجتمع الدولي ومجلس حقوق الإنسان والقضاء الدولي بضرورة المحاسبة.


الاحتلال في عزلة عن العالم


من جهته شنّ بنيامين نتنياهو رئيس الحكومة الصهيونية المتطرفة هجومًا حادًا على نظيره الإسباني بيدرو سانشيز، متهمًا إياه بتوجيه “تهديد إبادة جماعية ضد الدولة اليهودية الوحيدة”، ضمن سلسلة تصريحات مستمرة جعلت الاحتلال منبوذًا من جميع دول العالم.
وقال نتنياهو إن تصريحات سانشيز التي أشار فيها إلى أن بلاده “لا تملك قنابل ذرية أو حاملات طائرات أو موارد نفطية ضخمة”، وبالتالي “لا تستطيع وحدها وقف الهجوم الصهيوني”، تمثل تهديدًا صارخًا ضد إسرائيل، حسب زعمه.


تعليق اتفاقية التجارة مع الاحتلال


وفي خطاب رئيسة المفوضية الأوروبية أورسولا فون دير لاين، في خطابها السنوي حول حالة الاتحاد الأوروبي، أن المفوضية تقترح تعليقًا جزئيًا لاتفاق التجارة مع الاحتلال الصهيوني، وتجميد الدعم الثنائي المباشر، وإنشاء مجموعة مانحين دولية لإعادة إعمار غزة.
وقالت أمام البرلمان الأوروبي في ستراسبورغ الفرنسية: “ما يحدث في غزة هزّ ضمير العالم. لا يمكن استخدام المجاعة كسلاح حرب، من أجل الأطفال، من أجل الإنسانية يجب أن يتوقف هذا”.
وأكدت فون دير لاين أن “ما يحدث في غزة هزّ ضمير العالم.

أشخاص يُقتلون وهم يتسولون الحصول على طعام. أمهات يحملن أطفالًا أموات. هذه الصور كارثية”.


عقوبات ضد بن غفير وسموتريتش


دعا البرلمان الأوروبي إلى فرض عقوبات على وزير المالية الصهيوني المتطرف بتسلئيل سموتريتش والأمن القومي الصهيوني المتطرف “إيتمار بن غفير” وتعليق جزء من اتفاقية الشراكة بين التكتل والدولة العبرية، تنديدًا بالوضع في غزة، في خطوة تشير إلى تغيير في النهج من التحالف المطلق مع الاحتلال إلى محاولة مساءلة المسؤولين الصهاينة عن أفعالهم.
وأُقرّ هذا القرار الذي لا يحمل صفة إلزامية، بمبادرة من الاشتراكيين الديمقراطيين والخضر والوسط، بأغلبية 305 أصوات مقابل 151 ضدّ، فيما امتنع 122 نائبًا عن التصويت. ويعكس هذا التطور إحباطًا متزايدًا في أروقة الاتحاد الأوروبي من سياسات الحكومة الصهيونية، وخاصة فيما يتعلق بالحرب في غزة وتوسيع المستوطنات في الضفة الغربية.


مواقف أوروبية أخرى ضد الاحتلال


إلى ذلك قادت هولندا بدعم عدد من الدول الأعضاء المبادرة الرسمية لمراجعة الامتثال الصهيوني للمادة الثانية من اتفاق الشراكة مع الاتحاد، وعلّقت موافقتها على تمديد بعض آليات العمل حتى تكتمل المراجعة.
كما أوقفت ألمانيا ترخيصات تصدير لمعدات عسكرية قد تُستخدم في غزة “حتى إشعار آخر”، وأعلنت مراجعات لتراخيص سابقة، كما واجهت انتقادات برلمانية لارتفاع تراخيص التصدير السابقة، وتمّ اعتبار ذلك إجراءً عمليًا ملموسًا على صعيد تصدير الأسلحة.


ماكرون يدعو إلى وقف تسليح الاحتلال


ودعا الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون علنيًا إلى وقف مبيعات أسلحة تُستخدم في غزة، وضغطت باريس على مستوى القمم الأوروبية لخطوات أكثر صرامة ضد انتهاكات القانون الدولي.
وطالبت السويد علنًا بتعليق الجزء التجاري من اتفاقية الشراكة مع إسرائيل ونددت بعنف الحملة العسكرية، ووسعت مساهماتها الإنسانية.
وتضغط إيرلندا لإجراءات ملموسة (مناشدات لحظر السلاح، ومراجعات قانونية للأوراق المالية الإسرائيلية، ونشاط برلماني قوي) إذ شهدت الحكومة والبرلمان تحرّكًا وضغطًا شعبيًا وقانونيًا.
وصوتت بلجيكا لصالح قرارات أممية داعية إلى وقف النار ودعم استمرار عمل الوكالات، ووقعت قضايا ومحاكمات داخلية وطلبات إحالة (بعض المحاكم المحلية أصدرت أحكامًا/قضايا مرتبطة بجرائم مزعومة في غزة ما أدى لزيادة الضغط السياسي). كذلك برلمان إقليم بروكسل اتخذ قرارات محلية تضمنت دعوات لعقوبات.


بريطانيا تعلّق تراخيص السلاح


وعلّقت الحكومة البريطانية عددًا من تراخيص تصدير أسلحة (بقيت تراخيص أخرى مفتوحة)، وفرضت في يونيو 2025 عقوبات ضد شخصيتين إسرائيليتين (منع دخول وبعثات وتجميد أصول بالقضاء البريطاني)، كما وُجِهت الحكومة بانتقادات برلمانية لموقفها المتردد، وهو موقف بريطاني يجمع بين إجراءات انتقائية ودعوات لمحاسبة.
وشهدت الدنمارك دعاوى قضائية من منظمات حقوقية ضد تراخيص الأسلحة، وتوجّهًا سياسيًا واضحًا للمطالبة بمراجعة تصديرات الأسلحة ومطالبات برفع المساعدات الإنسانية وإدانة القصف.
وأصدرت الحكومة الإيطالية بيانات استنكار ودعوات لوقف العمليات العسكرية ومحاولات تنسيق مساعدات إنسانية كبيرة؛ بعض المناطق والبلديات اتخذت قرارات رمزية (حظر دخول وزراء، قرارات بلدية).


مظاهرات شعبية متواصلة


يأتي كل هذا الزخم من الإجراءات الأوروبية تجاه الاحتلال الصهيوني بالتزامن مع استمرار المظاهرات الشعبية الضخمة في مختلف دول وعواصم الاتحاد الأوروبي نتيجة الحرب على غزة والمجاعة التي تجتاح القطاع بسبب الحصار الصهيوني.

زر الذهاب إلى الأعلى