مقالات الرأي

الاستقرار الوهمي!

بقلم/ مصطفى الزائدي

تمرّ ليبيا بحالة اللا سلم واللا حرب سياسيًّا وعسكريًّا، ما يُظهر حالة استقرار وهمي قائم على انقسام البلاد من الناحية الواقعية إلى جزءين:

أحدهما مُفتّت إلى أجزاء صغيرة في المنطقة الغربية، حيث تتحكم مجموعات مسلحة متناحرة في كل مدينة تقريبًا، مسببة حالة من الرعب الدائم.

أمّا في الجزء الشرقي والجنوبي، فبفعل سيطرة القوات المسلحة تحقق استقرار واضح مكّن من إطلاق عملية تنموية رغم ضعف الموارد.

هذا الواقع الذي تشكّل منذ أكثر من عقد، بعد انتخابات مجلس النواب سنة 2014، صار وكأنّه وضع مناسب لجميع الأطراف المتصارعة على السلطة في ليبيا، وللأطراف الدولية الوصية عليها منذ 2011.

ونتيجة لعدم اكتمال العملية العسكرية التي قامت بها القوات المسلحة سنة 2019، صار من الصعب الدخول في عملية عسكرية جديدة لإعادة توحيد البلاد وتحريرها من سلطة وسطوة الميليشيات المسلحة وتأثيرات التدخل الأجنبي. لذلك جنح الجميع إلى ما سُمّي “الحلّ السياسي” من خلال دوّامة سياسية تديرها منذ 2015 بعثة الأمم المتحدة، وهي في حقيقتها دائرة مفرغة مليئة بالكلام الإنشائي غير المنتج، والأفكار الخيالية، والمقترحات النظرية. وقد فشلت طيلة تلك الفترة في تقديم أي حلول جدّية قابلة للتنفيذ، بل على العكس ساهمت بأشكال مختلفة في تفاقم المشكلة وتعميق الانقسام وإحداث شلل شبه كلي في مؤسسات الدولة السيادية.

ومن جانب آخر، وجد الفاسدون والانتهازيون والحُذّاق في الوضع السياسي الهشّ، وفي ظل غياب منظومة أمنية وطنية قادرة على ضبط الأمور، فرصة للعبث بالاقتصاد الليبي واستغلاله لتحقيق مصالحهم الشخصية. فتعرّضت مؤسسات الدولة إلى نهب ممنهج أدّى إلى فشلها في تقديم المطلوب منها، وتسبب في انهيار كلي لقطاعات الخدمات والطاقة والنقل والاتصالات والإنتاج، وتوقف كامل للقطاعات الإنتاجية التي كانت قد شهدت بدايات كبيرة قبل 2011.

أكثر المؤسسات التي تعرضت للنهب كانت المؤسسات المالية والاقتصادية العاملة في الخارج، حيث نُهب خلال الفترة الماضية أغلب الودائع والاستثمارات المملوكة للدولة، تحت ذريعة “استرداد الأموال المنهوبة”. فقد صدر قانون غريب عما سُمّي “المؤتمر الوطني”، يمنح بموجبه كل من يسهم بأي شكل في استرجاع أي قيمة مالية نسبة 10% منها. وقد يتوقع البعض أن المقصود بتلك الأموال هو ما يملكه أفراد من النظام السابق أو المحسوبون عليه في حساباتهم الشخصية في الداخل أو الخارج، لكن الأمر لم يكن كذلك. فلم تكن هناك أموال شخصية بهذا الحجم أساسًا، بالنظر إلى حالة الانضباط الإداري والقانوني قبل 2011، بل كان المقصود الفعلي من ذلك القرار هو الأموال المملوكة للمؤسسات الليبية والمسجلة باسم الدولة.

لقد تمكن الفاسدون من الحصول على أموال طائلة بالباطل بموجب ذلك القانون، أمّا النسبة الأكبر فقد سُرقت بشكل مباشر من قبل المجرمين. وقد تأسست شركات ومكاتب ومؤسسات فقط لتنفيذ عمليات السرقة المنظمة.

هذه المرحلة من التاريخ الليبي اتسمت بفساد غير مسبوق، لا في تاريخ ليبيا ولا في بقية الدول، وقد تصعب معالجة آثاره التي ستستمر لأجيال قادمة. ويقول البعض: حتى لو تمكن الليبيون من توحيد بلادهم وإعادة بناء مؤسسات الدولة، فإن إعادة ترتيب النظام الاقتصادي ستبقى من أعقد المهام، ولن يتحقق ذلك إلا بوجود منظومة أمنية وعسكرية قوية، وتشريعات صارمة، وإجراءات محلية ودولية لاسترجاع فعلي للأموال المنهوبة.

خلال هذه السنوات انقسم المجتمع الليبي طبقيًا إلى قلة من اللصوص الذين أصبحوا من أثرياء العالم، وكثرة فقيرة تكدح من أجل قوت يومها.

إن الانقسام السياسي، وعدم وجود مؤسسة أمنية وعسكرية على مستوى الوطن، وحجم الفساد المستشري، وانهيار الخدمات، والسيطرة الأجنبية على ليبيا، ومحاولاتها المستمرة لتحويلها إلى موطن بديل للمهاجرين إلى أوروبا وأمريكا، كل ذلك يجعل ليبيا أمام خطر وجودي حقيقي.

ويحمّل هذا الواقع النخب الليبية بكل توجهاتها السياسية والفكرية المسؤولية التاريخية، ويدعوها إلى العمل الجاد لإعادة ضبط البوصلة الوطنية. فلا يمكن لتلك النخب أن تكتفي بالمراقبة والمشاهدة وتحميل المسؤولية إلى قلة من الفاسدين الذين لا يهتمون بليبيا ولا بشعبها، بل بمصالحهم الخاصة فقط، ولا يتورعون عن تبذير أموال الشعب وهدر موارده لإرضاء الأجنبي مقابل بقائهم في السلطة.

الدعوة لا تزال متواصلة إلى المؤسسة العسكرية وإلى التشكيلات المسلحة في المنطقة الغربية، التي تضم بين صفوفها عددًا من العسكريين النظاميين، بضرورة إعادة دراسة الواقع والتعامل معه بما يتطلب من جدية ومسؤولية.

كما أن المثقفين والسياسيين والأكاديميين مطالبون بالتصدي لتلك المخاطر، والجهر بالدعوة إلى تحرير البلاد فعليًا، وتخليصها من كابوس الفساد والانقسام، ومنع خطر التوطين.

زر الذهاب إلى الأعلى