العدوان على سيدي بوسعيد: اختراق للسيادة التونسية واستهداف للعمل الإنساني

متابعات – الموقف الليبي
في وضح النهار، وبدمٍ بارد، امتدت يد العدوان الإسرائيلي لتضرب بعيدًا عن فلسطين المحتلة، حيث قصفت طائرة مسيّرة إحدى كبريات سفن “أسطول الصمود والحرية” الراسية قبالة ميناء سيدي بوسعيد التونسي، لمجرد أنها تحمل الغذاء والدواء لأهالي غزة المحاصرين.
لم يكن الاستهداف مجرد عملية عسكرية عابرة، بل رسالة صريحة تقول: “حدودنا هي حيث نريد”، في تكريسٍ لسياسة الغطرسة وتحدي القانون الدولي، حتى وإن كان الثمن انتهاك سيادة دولة عربية كاملة العضوية في الأمم المتحدة.
إن وقوع الهجوم داخل المياه الإقليمية التونسية لا يعني فقط استهداف قافلة إنسانية، بل يمثل سابقة خطيرة بانتهاك سيادة دولة لم تكن طرفًا في أي نزاع مسلح، تمامًا كما جرى في استهداف العراق وسوريا سابقًا، لكن هذه المرة ضد بلد اختار الوقوف مع الحق الفلسطيني دون تردد. السفينة المستهدفة، المحمّلة بمئات الأطنان من المساعدات، كانت تحمل أمل الملايين في كسر الحصار، فإذا بها تتحول إلى شاهد جديد على سياسة القتل الجماعي وخنق الشعوب.
السياق المزدوج: غزة وتونس في مرمى الاستهداف لا يمكن فصل هذا العدوان عن بيئته الجيوسياسية المشتعلة:
- تصعيد الحرب على غزة: جاء الهجوم في أوج العمليات الإسرائيلية على رفح، ليؤكد أن أي محاولة لكسر الحصار أو تحدي الإرادة الإسرائيلية –حتى عبر المساعدات السلمية– ستواجه بالقوة المميتة.
- التوقيت التونسي-الأمريكي: تزامن العدوان مع تصعيد أمريكي غير مسبوق ضد تونس، وتهديدات في الكونغرس بفرض عقوبات بذريعة “الديمقراطية”. الأمر يطرح تساؤلات خطيرة: هل تُعاقب تونس على مواقفها المناصرة لفلسطين؟
هل يراد إيصال رسالة بأن الثمن لموقفها الوطني سيكون أمنيًا وعسكريًا لا اقتصاديًا فقط؟
أم هو افتعال أزمة لتشتيت تونس وإضعاف حضورها الدولي في الملف الفلسطيني؟
صمت دولي يفضح ازدواجية المعايير
اللافت أكثر من العدوان ذاته هو الصمت الغربي المطبق، حيث غابت الإدانات التي عادةً ما تملأ الفضاء عند أي انتهاك مشابه في أماكن أخرى. وهو ما يكشف: ازدواجية فاضحة: انتهاك سيادة عربية لا يستحق عندهم إدانة، بينما تُستنفَر العواصم إذا حدث الأمر في أوكرانيا أو أي مكان آخر.
ضوء أخضر مستتر: هذا الصمت يوحي بأن إسرائيل حصلت على موافقة أو تسامح ضمني من حلفائها.
انكشاف الضعف العربي: غياب الموقف الموحد سمح للجاني بالتمادي بلا خشية من رد جماعي رادع.
من سيدي بوسعيد.. جرس إنذار إلى العالم
ما جرى قبالة السواحل التونسية ليس حادثًا عابرًا، بل جريمة مركّبة: انتهاك للسيادة، استهداف للعمل الإنساني، وتحدٍ صارخ للقانون الدولي. لكنه في الوقت ذاته كشف الوجه الحقيقي للسياسة الدولية: عالم تحكمه القوة، وسيادة الدول الضعيفة فيه قابلة للدهس متى شاء الأقوياء.
إن الرد لا يجب أن يُختزل في بيانات الإدانة، بل يتطلب تحركًا تونسيًا عاجلًا برفع القضية إلى مجلس الأمن ومحكمة العدل الدولية، مدعومًا بضغط شعبي عربي واسع يرفض أن تتحول سيادة الأوطان وكرامة الأمة إلى ورقة للمساومة. سقطت سفينة “الصمود”، لكن صمود الشعوب هو الرهان الأخير على انتصار العدالة.
