الاحتياطيات النفطية والاستدامة الاقتصادية

بقلم/ عبد الفتاح الشريف
لا يعير معظم الليبيين اهتماما كبيرا للاحتياطيات النفطية في بلادهم، شأنهم في ذلك شأن مسؤولي الصدفة الذين يديرون الشأن العام، بينما ينحصر اهتمامهم على احتياطيات مصرف ليبيا المركزي من الذهب والعملات الصعبة، ما يعكس التفكير والاهتمام بالمدى القصير، متناسين بذلك الأهمية الاستراتيجية للاحتياطيات النفطية التي تعزز قوة الاقتصاد الليبي، حيث تعتبر احتياطيات البلاد من النفط ثروه كامنة أو مخزونة في باطن الأرض، بينما تعتبر احتياطيات المصرف المركزي مؤشرًا داعما للاستقرار الاقتصادي والقدرة المالية للدولة، وكلاهما يعبران عن الصحة الاقتصادية للبلاد، ما يخلق تكاملا بين الثروات الطبيعية والاستقرار المالي، وهذا يتطلب إدارة رشيدة لثروات البلاد (فوق الأرض وفي باطن الأرض)، وذلك بتعزيز وتنمية الاحتياطي النفطي والمالي وتعظيم العائد عليهما.
إن اعتماد الاقتصاد الليبي على صادرات النفط جعل استقرار الدولة ونموها يرتبط بتقلبات أسعار النفط، وهذا يتطلب أن تدار العملية الإنتاجية بكفاءة مع العمل على تنمية وتطوير الاحتياطيات النفطية، باعتبار أن النفط هو العمود الفقري للبنية الاقتصادية الذي يؤثر بشكل كبير على الاحتياطيات الأجنبية للدولة التي تعد أساسية للحفاظ على الاستقرار الاقتصادي وثقة المستثمرين والصحة المالية، وسنتناول في هذا المقال أهمية الاحتياطيات النفطية للاقتصاد الليبي مع التطرق إلى الاستراتيجيات والسياسات الواجب اتباعها لتحسين هذه الاحتياطيات وتعزيزها.
إن الاحتياطيات النفطية لا تقتصر أهميتها على كونها خزانا يدعم الإنتاج اليومي، بل تتعدى ذلك لتشمل الأبعاد الاقتصادية والاستراتيجية والتقنية، وذلك لأن الاحتياطيات هي ضمان الاستدامة المستقبلية، فوجود احتياطيات نفطية كبيرة في باطن الأرض يضمن استمرار الإنتاج على المدى الطويل وتلبية الطلب المحلي والدولي، كما تساعد الاحتياطيات الدولة والشركات الوطنية على وضع استراتيجيات طويلة الأجل لإدارة الموارد وتقنين الاستهلاك، وتعمل الاحتياطيات المؤكدة على زيادة القيمة الاقتصادية للدولة باعتبارها جزءًا من ثروة الدولة ومكونا مهما من أصولها الوطنية التي تسهم في جذب الاستثمارات الأجنبية في قطاع الطاقة وفي القطاعات الأخرى.
وتسهم الاحتياطيات الكبيرة في تعزيز القوة السياسية والنفوذ الجيوسياسي للدولة وتكسبها نفوذا عالميا في أسواق الطاقة، ما يمكنها من التأثير على قرارات الدول الأخرى، فعلى سبيل المثال تتمتع كل من السعودية والعراق والإمارات والكويت بقوة تفاوضية أكبر من باقي الدول داخل منظمة أوبك عند تحديد حصص الإنتاج والأسعار واتخاذ القرارات بشأن زيادة الإنتاج أو تخفيضه.
وتشجع الاحتياطيات على الاستثمار في المشروعات طويلة الأجل وعلى تطوير الصناعات المرتبطة بالنفط لأنها تؤمن المادة الخام للصناعات البتروكيماوية (طويلة الأجل) التي تعتمد على النفط والغاز التي تسهم في النمو الاقتصادي وخلق مواقع الشغل، كما تدعم الاحتياطيات تطوير صناعة الغاز الطبيعي المسال وتوليد الطاقة الكهربائية منه.
ولضمان الاستقرار الاقتصادي في المدى القصير والمرونة في المدى الطويل في ليبيا التي يعتمد اقتصادها أساسًا على إنتاج وتصدير النفط يجب العمل على زيادة احتياطيات النفط وذلك لتعظيم قيمة الأصول في باطن الأرض من خلال اتخاذ إجراءات عملية تهدف إلى التوسع في أعمال الاستكشاف والاستثمار في التكنولوجيا والعمل على تمويل المسوحات السايزمية والتقنيات المتقدمة واستخدام الذكاء الاصطناعي في تحليل البيانات الضخمة والخرائط ثلاثية الأبعاد لتحديد مواقع جديدة لاحتياطيات النفط والغاز والمساعدة في تحقيق اكتشافات جديدة والتوجه نحو مواقع جديدة مثل المياه الإقليمية العميقة والمناطق الصحراوية الوعرة.
كما يجب الاهتمام بالإدارة المستدامة لاحتياطيات النفط والغاز ووضع خطط لإدارة الموارد بحيث يتم استخدامها بكفاءة والحيلولة دون استنزافها بشكل مفرط والتعامل معها على أساس أنها ثروة ناضبة.
وكذلك العمل على تهيئة بيئة استثمارية جاذبة وتقليل الإجراءات البيروقراطية وإعادة تقييم بعض شروط التعاقد الحالية التي تضعف من تنافسية قطاع النفط في ليبيا، وذلك بتقديم بعض الحوافز الضريبية (العادلة) للشركات النفطية العالمية العاملة في مجال الاستكشاف، خاصة في المناطق عالية المخاطر مثل المياه العميقة deep waters وربط هذه الحوافز بما يتم استكشافه وإنتاجه، وذلك أسوة بالمزايا التي تمنحها بعض الدول المنتجة للنفط، وفي هذا الصدد نشير إلى المزايا التي منحتها غويانا لشركة اكسون موبيل التي ساهمت في زيادة الاحتياطيات ب 11 مليار برميل خلال الفترة من ( 2023 – 2015).
كما يجب الاهتمام ببرامج البحث والتطوير ودعم البحث العلمي في محالات الطاقة واكتشاف التقنيات الجديدة والاستثمار في الطاقة المتجددة والعمل على تحسين السياسات الاقتصادية وتوقيع اتفاقيات تبادل التكنولوجيا والاستثمار في مشاريع النفط والغاز مع الدول المتقدمة لتطوير الحقول النفطية.
والاهتمام بتحسين كفاءة الإنتاج باستخدام تقنيات الاستخراج المحسن EOR بحقن ثاني أكسيد الكربون والفيضان الكيميائي لاستخراج 60-30% إضافية من الحقول القائمة والاهتمام بالصيانة الدورية للبنية التحتية مثل خطوط الأنابيب والمنشآت النفطية لتقليل الفاقد.
ومن الضروري الإشارة في هذا الصدد إلى أهمية اتباع مبادئ الشفافية والإفصاح عن الاحتياطيات الموثوقة وذلك باستخدام معايير SPE-PRMS عند إصدار التقارير عن الاحتياطيات لتعزيز المصداقية وجذب المستثمرين والحرص على إبعاد مؤسسة النفط عن التجاذبات السياسية والعمل على تنويع محفظة الطاقة باستثمار عوائد النفط في القطاعات المكملة والمماثلة مثل الغاز الطبيعي والمصافي والبتروكيماويات والطاقات المتجددة.
وختاما فإن الاحتياطيات النفطية في باطن الأرض ليست فقط مخزونا أو مصدرا لتغذية الإنتاج اليومي، بل ثروة استراتيجية تعزز من مكانة الدولة اقتصاديا وسياسيا، وتوفر ضمانا لاستدامة الطاقة والموارد الأمر الذي يستوجب إدارتها بعناية بما يكفل تعزيز التنمية المستدامة وتحقيق الاستقرار على المدى الطويل.
