مقالات الرأي

بين الإصلاح النقدي والفساد المالي.. معركة الصرف في ليبيا.. إلى أين؟

بقلم/ د. عثمان الدعيكي

يشهد الواقع الاقتصادي في بلادنا اليوم جدلًا محتدمًا بين خيار توحيد سعر الصرف وخيار إلغاء الرسوم المفروضة على بيع العملات الأجنبية، وهي الرسوم التي فُرضت لأول مرة في سبتمبر 2018 بنسبة 183% على مبيعات النقد الأجنبي، قبل أن تُعدَّل لاحقًا لتتراوح بين 163% و27% وفق طبيعة المعاملة. جاءت هذه الخطوة في إطار محاولة من مصرف ليبيا المركزي للحد من الفجوة بين السعر الرسمي وسعر السوق الموازي، فضلًا عن توفير موارد مالية إضافية للدولة في ظل ضعف الإيرادات غير النفطية.

وتبعًا لذلك تدفقت إلى الخزانة العامة عوائد ضخمة؛ إذ تشير بيانات المصرف المركزي إلى أن إيرادات الرسم على بيع النقد الأجنبي بلغت نحو 23 مليار دينار في عام 2019، ثم تراوحت بين 18 و24 مليار دينار سنويًا خلال الفترة 2018–2021، قبل أن تتراجع مع قرار توحيد سعر الصرف في يناير 2021 عند 4.48 دينار للدولار الواحد. ومع ذلك، عاد الرسم بصيغة معدَّلة في أواخر 2022 ليستمر حتى 2025، محققًا إيرادات تقديرية تراوحت بين 14 و17 مليار دينار سنويًا خلال هذه الفترة، بينما تجاوز إجمالي ما جُمع من هذا البند منذ فرضه حتى مطلع 2025 أكثر من 100 مليار دينار.

لكن هذه الموارد الهائلة لم تجد طريقها إلى مشروعات الإعمار والتنمية أو إلى تنويع مصادر الدخل، بل استخدمتها الحكومات المتعاقبة أساسًا في تسوية الدين العام، الذي تضخَّم بشكل غير مسبوق خلال العقد الماضي. وتشير تقديرات غير رسمية إلى أن إجمالي الدين العام قفز من نحو 30 مليار دينار في عام 2012 إلى أكثر من 150 مليار دينار بنهاية 2024، أي ما يعادل نحو ضعفي الناتج المحلي الإجمالي. ويعود هذا التضخم إلى الإنفاق الحكومي غير المبرر وغير المقنن، وغياب الخطط المالية الواضحة، إضافة إلى نهب المال العام وانتشار الفساد في ظل غياب الرادع القانوني والرقابة الفعّالة، ما جعل الدين العام أداة لتمويل العجز المزمن بدل أن يكون وسيلة لتحفيز النمو.

وتشير تقارير ديوان المحاسبة إلى أن أكثر من 60% من الإنفاق الحكومي خلال السنوات الماضية ذهب إلى بند المرتبات والدعم، فيما لم تتجاوز المخصصات الفعلية للمشروعات التنموية 10% من إجمالي الموازنة، وهي نسبة لا تذكر بالمقارنة مع الحاجة الماسّة إلى التنمية وإعادة الإعمار بعد الحروب الطاحنة التي شهدتها البلاد طيلة أكثر من عقد من الزمن.

لقد أسهم قرار توحيد سعر الصرف في عام 2021 في تضييق الفجوة مع السوق الموازي لفترة وجيزة، لكنه لم يمنع عودة التذبذب مع استمرار الطلب الكبير على النقد الأجنبي وضعف الثقة في العملة المحلية، خاصة في ظل غياب إصلاحات اقتصادية موازية. وفي المقابل، فإن إلغاء الرسوم على بيع النقد الأجنبي قد يخفف أعباء الاستيراد ويحد من ارتفاع الأسعار بالنسبة إلى المستهلكين، لكنه سيحرم الخزانة العامة من إيرادات مثلت في بعض السنوات أكثر من 30% من إجمالي الدخل غير النفطي، وهو ما يثير مخاوف من تفاقم العجز المالي إذا استمر الإنفاق على نفس النهج.

وبينما يرى بعض الخبراء أن معالجة الاختلالات النقدية تبدأ بتوحيد سعر الصرف وإلغاء الرسوم كليًا لتحقيق الشفافية وتقليل فرص المضاربة، يحذر آخرون من أن أي خطوة في هذا الاتجاه، دون إصلاح مالي شامل وإعادة هيكلة الإنفاق ومكافحة الفساد، واعتماد سياسة تجارية ناجعة ستؤدي إلى استنزاف الاحتياطي النقدي وتفاقم الأزمة. فالمعضلة الحقيقية لا تكمن في سعر الصرف أو في الرسوم وحدها، بل في غياب الإدارة الرشيدة للموارد، وهو ما يجعل أي إجراءات نقدية فاقدة للأثر المستدام ما لم ترافقها إصلاحات هيكلية تعيد ضبط المالية العامة وتفتح المجال لتنويع الاقتصاد.

زر الذهاب إلى الأعلى