مقالات الرأي

مَقاتِل على الهواء!!

بقلم/ مصطفى الزائدي

‏جرائم القتل المتعمد العلنية التي يُبَثْ بعضها على الهواء مباشرة، التي يقترفها الصهاينة في فلسطين في غزة والضفة، لا ينبغي أن تمر دون رد رادع عاجل أو آجل، ولا ينبغي أن تسقط بالتقادم، ولا يجوز للأجيال القادمة – إن بقت لنا أجيال قادمة – أن تتنازل عنها، فهي جرائم إبادة جماعية مكتملة الأركان وجرائم ضد الإنسانية، تستخدم فيها وسائل وحشية لقتل مدنيين عزّل، ولعل أكثرها بشاعة ووضاعة مشاهد القتل اليومي للمُجَوّعين قسرا، وهم ينتظرون فتاتًا من طعام لا يسمن ولا يغني عن جوع في مراكز توزيع المساعدات المهينة الأمريكية والصهيونية، فرغم نداءات واستغاثات المنظمات الدولية وبشاعة الصور القليلة التي تنفذ من الحظر الإعلامي الصهيوني تنشر مناظر تقشعر من رؤيتها الأبدان من بعض المجاز في فلسطين، فلم يتخذ إلى حد الآن أي إجراء جدي لردع العدو ومنعه من الاستمرار في تنفيذ جرائمه، لو استثنينا غضبة شعوب العالم عديمة القدرة على الفعل.

لا شك أن الذي سهّل للعدو اقتراف جرائمه هو ضعف وهوان العرب والمسلمين، الذين كتبت عليهم المذلة والمسكنة، هم اليوم بين مرعوب من الكيان خائفين من مجهول ينتظرهم، وبين متفرجين يتابعون ما يجري من أحداث بعد أن وقعوا في حبال الماكينة الدعائية الاستعمارية، وبعض منهم ضعاف يكتفون بالدعاء إلى الله عز وجل وكأنه ينتظر دعواتهم لينصر المظلومين ويرد كيد الظالمين.

العرب والمسلمون باستثناءات قليلة منهم وعلى كل مستوياتهم يتحملون المسؤولية التاريخية فيما يجري في فلسطين وسيسألون على ذلك.

السؤال لماذا أصاب العرب والمسلمين ما أصابهم؟ وهم أصحاب حضارة وتاريخ مجيد حافل بالبطولات في مقاومة المستعمرين والظالمين، وهم مكلفون بحمل رسالات السماء العظيمة الدين الإسلامي الحنيف والدين المسيحي إلى البشرية في كل مكان وزمان، الإجابة عن هذا السؤال تتطلب بحثًا معمقًا في ما حدث في هذه المنطقة منذ نهاية الحرب العالمية الأولى، ودراسة استراتيجية المستعمر الجديدة التي ينفذها لتستمر سيطرته وسطوته على المنطقة حتى وإن خرجت منها قواته العسكرية، وكيف خطط ليعود لها بكل سهولة ويسر ودون تكاليف عند حاجته لذلك، وهذا ما كان!

لم يعد الأمر من قبيل نظرية المؤامرة التي استخدمت للحد ولمنع صحوة عربية متوقعة وإفشال مشروعات النهوض العربي، بل ذلك صار واقعا ملموسا نشهد نتائجه الكارثية من معاناة وآلام وتقتيل وتهجير، ولقد عمل المستعمر في مسارين متوازيين، الأول ركز على التلاعب بالدين الإسلامي الحنيف وتشويهه وتحويل اهتمام النخب من الدعوة له والدفاع عنه وعن بلادهم إلى صراعات بينية باستحضار الفتن المذهبية والطائفية وتأجيجها والترويج لأخطار مزعومة من هذا المذهب أو ذاك! وعلينا أن نعترف بأن المستعمر قد نجح في ذلك نجاحًا باهرًا، إذ نجد من يعتقد من المسلمين السنة أن العدو ليس الاستعمار بأشكاله المختلفة، لكنه إخوانهم في الدين أتباع المذهب الشيعي، ونجد بعض من يدّعون أنهم سلفيون يرون أن عدوهم الحقيقي الواجب محاربته وقتله لارتدادهم عن الدين حسب زعمهم هم أتباع المذاهب الأخرى سنة أم شيعة، وهذا ظاهر في تصرفات دعاة التكفير من الدواعش والقاعدة وأنصار الشريعة وغيرهم وممارساتهم الوحشية العقود الماضية في مصر والجزائر وليبيا والعراق وسوريا وغيرها من جرائم يندى لها الجبين. 

المسار الثاني نلخصه في محاولات تصنيع فتن إثنية وقبلية ومناطقية، من خلال الترويج لوجود تكوينات قومية متناقضة ومتصارعة في المنطقة العربية بهدف التأسيس لحالة عدم استقرار مستدامة، وتمكن من تجزئة المجزأ وتفتيت المفتت، وهذا ما يجري على قدم وساق استجابة لدعوات نابعة من الغرب الاستعماري تطرح بوسائل مختلفة في كل أجزاء الوطن العربي خاصة في الشمال الأفريقي وما بين النهرين والشام.

السؤال الأهم في هذه المرحلة المفصلية الجدير بالطرح والمناقشة، خاصة بعد أن نجح المستعمر في تشتيت أفكار الأمة وتغيير اهتمامات نخبها وشبابها إلى أمور هامشية، وتحويل بوصلاتها إلى اتجاهات متعاكسة، هل تستطيع الأمة أن تتصدى لهذا العدوان وردع العدو المتوحش، وهي لا تمتلك من القوة إلا تاريخها؟ في تصوري هذا زمن سيأخذ وقته ثم يمضي، وأن هذه الأمة العظيمة بما تملكه من مقومات نهوض ضخمة ستنهض بلا شك، وأن هذا العدو سيحاكم عاجلا أو آجلا، وسيتحمل ما تقترف يداه اليوم، هذا ليس رجما بالغيب ولا من باب التفاؤل المفرط، لكن استنادًا إلى وقائع التاريخ، فأمة محملة برسائل رحمة سماوية كبرى لا يمكن إلا أن تنهض!

زر الذهاب إلى الأعلى