الطريق إلى العدالة الخاصة

بقلم/ عبدالسلام محمد إسماعيل
على أثر التطورات العظيمة التي شهدتها الإنسانية عبر عصور طويلة، خصوصًا الانتقال إلى حياة الجماعة، تخلى الإنسان عن القوانين التي احتكم إليها في حياته البدائية وما صار يطلق عليه اليوم (قانون الغاب) حيث البقاء بمقتضاه للأقوى، وأن لكل إنسان بصورة فردية أن يقوم باستيفاء حقه بذاته، حال تعرضه للاعتداء من الغير.
تخلى الفرد عن قانون الغاب، لأن الدساتير والقوانين تولت مهمة تنظيم علاقات الأفراد فيما بينهم، كما نظمت علاقة الأفراد بالسلطة، حيث سطر على صدر الدساتير كل الحقوق المدنية والسياسة والحريات العامة، وفي مقدمتها الحق في الحياة والتحرر من العبودية والرق وحرية التعبير…الخ.
لا أظن أن الإنسان كان سيتخلى عن حالته الطبيعية وقوانينها، لولا تلك القوانين التي اعترفت بحقوقه وكفلتها له.
غير أن مجرد النص على تلك الحقوق لن يكون كافيًا، مع الأخذ في الاعتبار إمكانية ظهور أنظمة متسلطة ودكتاتورية تحكم هذا البلد أو ذاك، وتحسبًا لإمكانية جنوح بعض الأنظمة وشططها عند استعمال السلطة وتعديها على حقوق الأفراد أو تقييد حريتهم، أوكل المشرع مهمة حماية حقوق وحريات الأفراد إلى السلطة القضائية لطبيعتها المحايدة وميلها، بحكم تكوينها العلمي، إلى إحقاق الحق وفرض العدالة والمساواة بين مختلف الأطراف، وبهذا المعنى يكون القضاء هو الضامن لحقوق الأفراد وحريتهم والحارس عليها من أي شطط أو تعدٍّ أو تعسف قد ترتكبه السلطة التنفيذية أو أجهزتها المختلفة ضد مواطني الدولة، وحتى تكون هذه الضمانة القضائية واقعًا ملموسًا، أعطى المشرع الحق لكل إنسان أن يختصم أمامه ضد من تعدى على حقه أو قيد حريته، وإن كان هذا الخصم الحكومة نفسها، وله الحق في أن يطالب برد حقه وإنزال العقوبة ضد المتعدي على الحق، كما أوجب المشرع على السلطة القضائية أن تتصدى لكل خرق يمس حقوق الأفراد وحرياتهم.
بالإضافة إلى ذلك تقوم وسائل الإعلام في المجتمعات الحديثة بما تملكه من تأثير على السلطة وقدرة على توجيه الرأي العام، بدور هام على مستوى كشف التعديات والتنبيه عليها.
على أهمية هذه الضمانات، يبقى الإنسان في وطننا وحقوقه الطبيعية وحرياته الأساسية عرضة للتعدي والظلم والتعسف، خصوصًا إذا ما أخذنا بعين الاعتبار تغول السلطة التنفيذية على المواطن، وحتى السلطة القضائية أو السلطة الرابعة الموكل إليهما مهمة إحقاق الحق وفرض العدالة والمساواة في ظروف مشابهة لما يجري في بلادنا من انعدام للأمن وانتشار السلاح خارج سلطة الدولة فإن القاضي أو وكيل النيابة أو الإعلامي أو الحقوقي، هو إنسان أولًا وأخيرًا، فالإنسان في مثل ظروفنا يخاف، والإنسان قد ينحاز بداعي الانتماء، والإنسان قد تغريه الأموال، أو الامتيازات… هنا تنعدم العدالة، ويسقط الدرع الحامي لحقوق الأفراد وحريتهم، وحينها سوف ينقسم الناس في بلادي إلى فريقين، الفريق الأول سوف ينتظر العدالة من الله، أما الفريق الثاني فسوف يرجع إلى حالة الطبيعة ويستند في الدفاع عن نفسه إلى قانون الغاب، حيث استيفاء الحق بالذات، وحينها قل على الدولة السلام.
