مقالات الرأي

تأملات في حروب الوجود!!

بقلم/ مصطفى الزائدي

العدوان الصهيوني على إيران لن يكون آخر اعتداء تقترفه إسرائيل في المنطقة، فهو حلقة في سلسلة طويلة من الاعتداءات التي تشنها ضد شعوب المنطقة.

بعد الحرب العالمية الأولى، نجح الصهاينة في الضغط على بريطانيا لمنحهم فلسطين وطنًا قوميًّا ليهود العالم، ومنذ ذلك الحين بدأوا في ترسيخ وجودهم في فلسطين من خلال حروب إبادة وحشية نفذتها عصابات إجرامية بدعم من الجيش الإنجليزي، قادتها وأتباعهم هم من يحكم دولة الاحتلال منذ إنشائها.

بعد الحرب العالمية الثانية، نجح الصهاينة ثانية في انتزاع اعتراف من الحلفاء الذين انتصروا في الحرب بتقاسم فلسطين مع سكانها العرب، وفي عام 1967 نجحوا في توسيع وجودهم في كامل التراب الفلسطيني باحتلالهم غزة والضفة الغربية والجولان، ولم يتوقفوا عن شن اعتداءات متواصلة على دول الجوار لإرغامها على الاعتراف لهم بحقهم الدائم في فلسطين.

هذه المعركة اليوم مع إيران هي حلقة في سلسلة مستمرة من الحروب الناتجة عن وجود الكيان غير الشرعي في المنطقة، وهي جزء من استراتيجية الكيان في ضرورة التفوق لإدامة الصراع وعدم الاستقرار لكي يؤمِّن وجوده من خلال سيطرته بالقوة على المنطقة. بالنسبة للكيان، أي خلل في موازين القوة ليس في صالحه، وقد يعني زواله من فلسطين، وهذا سبب كافٍ لحماس قادته وكل أطيافه السياسية للحرب، وحرصهم على تسخير كل جهودهم من أجل إحداث واستدامة تفوق نوعي. ولضمان التفوق، خططوا ونجحوا في السيطرة على الدول الغربية الكبرى النافذة في العالم، وتنقّل ولاؤهم وفقًا لتغيير ثقل النفوذ من دولة إلى أخرى؛ كان في البداية لبريطانيا، ثم تحوَّل إلى الولايات المتحدة التي أصبحت قائد المحور الغربي.

اخترقوا دوائر السياسة الأمريكية وسيطروا عليها ووجهوها وفقًا لمشروعهم، فصارت الإدارة الأمريكية خلال العقود الماضية إدارة تابعة للمؤسسة الصهيونية، فمكَّنتهم من الوصول إلى الوسائل الفنية اللازمة لتصنيع كل أنواع الأسلحة، وأيضًا منحتهم كل المنتجات الحديثة في مجال التسليح والاتصالات والمعلوماتية وما إليها. في الواقع، دولة الاحتلال اليوم جزء مهم من المنظومة العسكرية للغرب عمومًا وللولايات المتحدة بشكل خاص. ولعل الكثيرين نسوا قانونًا أمريكيًّا سمح بازدواج الجنسية بين إسرائيل والولايات المتحدة، ومكن الجنود الأمريكيين من العمل بدون قيود في جيش دولة الاحتلال.

منذ عام 1973، دولة الاحتلال شنت حروبها مع منظمات مقاومة مسلحة، نجحت في كثير من الأحيان في تحقيق ردع نوعي ولو محدود، وحجَّمت الدور الذي تحاول دولة الاحتلال القيام به في المنطقة، والأهم من كل ذلك أنها أبقت القضية الفلسطينية في أولى أولويات الشعوب العربية والإسلامية.

الثورة في إيران شكَّلت رافدًا مهمًّا لحركة المقاومة الفلسطينية والعربية بشكل عام، ودعمتها ونجحت في تطويرها، لكن الحرب العبثية بين إيران والعراق أسهمت في إضعاف البلدين، واستغلها الغرب لزرع الشقاق بين دول الخليج العربي وإيران، وتمكن الكيان عن طريق الغرب من الاستفراد بالعراق وتدمير جيشه، وإشعال فتنة الربيع العربي وتدمير الجيش الليبي واليمني والضغط على مصر، وأخيرًا تدمير الجيش السوري واستبداله بجيش من المرتزقة الإرهابيين بدعم ورعاية غربية صهيونية.

مهمٌّ الوعي بأن العدوان على إيران بالنسبة لقادة دولة الاحتلال أمر حيوي لتأمين التفوق الاستراتيجي الصهيوني في المنطقة، وهذا ما يعلنه الصهاينة بكل فصائلهم. هم لا يقبلون فكرة التعايش في المنطقة رغم محاولات التطبيع التي حاول بعض العملاء العرب فرضها، بل يريدون العيش كقوة متفردة مهيمنة، لأنهم يدركون أن التعايش بمساواة في المنطقة يعني بالنتيجة زوال دولة الكيان، الذي يعتمد في وجوده على فكرة التميز والتفوق والسيطرة.

المشكلة في فهم النخبة العربية لطبيعة الصراع بين الكيان والأمة العربية والإسلامية على أنه صراع حدود ومصالح، وليس صراع وجود، وليس صراعًا من أجل تعايش بمساواة بين شعوب المنطقة. فالكيان قوة مغتصبة لأراضٍ تعتبرها حقًّا تاريخيًّا لها، ولا تقبل أي قدر من التعايش مع الواقع، ومن هنا يمكن قراءة المعركة في سلسلة الصراع الطويل بينه وبين الأمة العربية والإسلامية، محاولًا فرض وجوده وسطوته والتوسع.

الهدف الرئيسي من هذه المعركة إضعاف إيران وإسقاط نظامها الوطني الداعم للقضايا العربية وقضايا المسلمين، واستبداله بنظام رجعي عميل، وتلك سياسة معلنة لدولة الاحتلال.

نجحت إيران في كشف طبيعة الصراع العربي الإسلامي الصهيوني، فهو ليس صراعًا بين مصر ولبنان وسوريا والأردن والكيان، وليس صراعًا بين العرب والإيرانيين والأتراك أصحاب المنطقة، سواء أكانوا مسلمين أم يهودًا أم مسيحيين، بل صراعًا يهدف إلى نمو جسم سرطاني غريب وفرض نفسه كقوة أمر واقع. فالكيان يتكون من مجموعات دينية متطرفة أُسكنت في هذه المنطقة ويراد لها البقاء والتمدد.

بالطبع، قد تُحسم هذه المعركة في غير صالح الكيان، وقد تقلل من قدراته في التوسع، وتكشف وهن قوته الظاهرة وتُبيّن ضعفه، وقد تؤدي إلى تغييرات استراتيجية ليست وفق أهواء الكيان.

النخبة العربية والإسلامية، مسؤولين ومثقفين وقادة سياسيين وجماهير، عليها أن تتخذ موقفًا واضحًا وحازمًا من هذه المعركة التي قد تكون فاصلة، وأن تعمل على تعبئة كل إمكانيات العرب والمسلمين بشكل عام، وإن لم يحدث ذلك فإنها ستكون معركة من المعارك في هذا الصراع المستمر. ولو -لا سمح الله– انتصرت دولة الكيان، فإن الدور سيأتي على الدول العربية والإسلامية واحدة تلو الأخرى، كما كان الحال بعد إسقاط العراق وليبيا وسوريا. بعد إيران، قد تكون تركيا أو باكستان هي الهدف، ولا شك أن مصر الهدف المهم للكيان، وكذلك المملكة السعودية، فهو لن يقبل بقوة إقليمية تنازعه السيطرة والسطوة، وذلك من طبيعة حروب الوجود.

زر الذهاب إلى الأعلى