بين الحكومتين والمركزي والنقد.. نار البنزين توقد

بقلم/ عفاف الفرجاني
يعيش الليبيون هذه الأيام حالة من الجدل والخوف من شبح مقترح رفع الدعم عن بعض المواد الأساسية، وفي مقدمتها الوقود، وهو مقترح مدعوم من بعض الشخصيات المتصدرة للمشهد التجاري في ليبيا، المتحصنة خلف ساتر سياسي. وقد كانت لتصريحاتهم آثارٌ زرعت الهلع في الأوساط الشعبية، خشيةً من ارتفاع الأسعار.
لم يقف المقترح عند تجار الاعتمادات المتخندقين خلف الحصانة البرلمانية، بل دعمه أيضًا محافظ مصرف ليبيا المركزي ناجي عيسى، الذي دعا إلى مراجعة سياسات دعم المحروقات واستبدالها بالدعم النقدي، وذلك أثناء لقائه برئيس الحكومة أسامة حماد.
الأمر هنا لم يعد مجرد مقترح، بل أصبح تحصيل حاصل، فلم تعد الأوضاع في ليبيا مقتصرة على الفوضى الأمنية والسياسية، بل طالت حياة المواطن الليبي، الذي يعيش في وضع اقتصادي صعب، في بلد نفطي كان من المفترض أن تُستثنى فيه أي خطة اقتصادية من رفع الدعم عن المحروقات.
إن ما يحدث اليوم هو محاولة لجسِّ نبض الشارع، مدفوعة بدوافع سياسية واقتصادية لكيانات وشخصيات تتصارع على “غنيمة” صاحبها مكبل اليدين ومعدوم النفس.
في تقديري، فإن فكرة رفع الدعم هي فكرة مصاحبة للحالة الليبية منذ انتهاء حقبة الجماهيرية، يدعمها ذلك اللوبي الدولي الخفي الذي يحرك صندوق النقد الدولي، والذي يقف خلف هذا الطرح. كل هذا تؤكده لقاءات فريق حكومة الدبيبة منتهية الولاية، برئاسة محافظ المصرف المركزي، مع بعض خبراء صندوق النقد في تونس، حيث تم التطرق إلى هذا المقترح.
وليست هذه المرة الأولى التي يناور فيها صندوق النقد الدولي لفرض هذه التجربة على ليبيا، لكنها – حسب المتداول – ستكون الأخيرة، إذ إن المقترح هذه المرة مدعوم من جهات سيادية داخلية وكيانات دولية. وقد جرى التخطيط لهذا المشروع من قبل خبراء في صندوق النقد، وكان آخرها في العام 2024 من خلال تقديم مقترح لإصلاح دعم الطاقة في ليبيا.
صندوق النقد، الذي ظل لعقود ينتظر فرصة لجعل ليبيا دولة مدينة ولم ينجح، عوَّل كثيرًا على المشاريع التنموية الكبرى كمشروع النهر الصناعي، وفشل بسبب وجود إدارة اقتصادية محلية تفتقر إلى الرشد. واليوم، في ظل الوضع السياسي الهش، تحاول القوى العظمى، باستخدام صندوق النقد، ترسيخ نموذجها الاستنزافي في ليبيا، من خلال العمل على رفع الدعم عن المحروقات، مقابل تقليص الإنفاق الحكومي على مرتبات الليبيين، مع تصاعد وتيرة الفساد المالي، وتهريب الأموال إلى الخارج، وارتفاع سعر الصرف الرسمي، ما سيؤدي إلى انهيار الاقتصاد الليبي، الذي هو أصلًا اقتصاد هشٌّ وموجَّه.
هذا المقترح، حتى لو استبعدنا منه نظرية المؤامرة، يُوجب طرح السؤال الجوهري: ما مدى قدرة الاقتصاد الليبي على تحمُّل أعباء هذا التغيير الجذري، الذي يفتقد الموضوعية والدراسة؟
ولنفترض حسن النوايا، فإن ما دعا إلى استحداث هذا المقترح هو تفشي ظاهرة تهريب الوقود خارج البلاد، ما تسبب في خسائر تُقدَّر بـ5 مليارات دولار سنويًّا. لكن، أليس من المنطقي أن يُعالج هذا الملف أمنيًّا، بدلًا من اعتماد خطة بديلة تكون خسائرها مضمونة أكثر من أرباحها، خصوصًا إذا كانت قائمة على غوغائية اقتصادية، وغياب خطة مدروسة قد يؤدي إلى أزمة أعمق على المواطن والدولة؟
والأهم أن الحكومة صاحبة المقترح، والتي لا تحظى باعتراف شعبي، لم تقدم أي مشروع مدروس يوضح الآلية التنفيذية لهذا الطرح على الليبيين، ولا ما هي الخطط البديلة في حال إخفاق المقترح في حال تطبيقه. وحتى الحكومة الليبية في الشرق غير مخوَّلة لطرح مثل هذه الملفات، كونها حكومة تصريف أعمال.
إذا ما تم رفع الدعم عن المحروقات، فإن أسعارها سترتفع، وسيكون لذلك تداعيات خطيرة على القطاعات الإنتاجية والخدمية، ما سيزيد من تكلفة المعيشة ويُثقل كاهل المواطن بدل أن يخففه، خاصة الفئات الأكثر ضعفًا ماديًّا. ومن هنا، ندعو الحكومة الليبية المنتخبة من البرلمان، كنخب وطنية، إلى عدم الانسياق خلف هذه الفكرة، التي من شأنها أن تقصم ظهر المواطن الذي آمن بهذه الحكومة لتكون يدًا تبني لا يدًا تهدم.
