مقالات الرأي

الفرق بين الهرم والأقزام في قيادة الدولة 

بقلم/ أبو صالح الزوي

البعض يعتقد أن الأمور في الدولة الليبية كانت تسير بالصدفة، لكن عشرات المصائب والكوارث التي بدأت تظهر كل يوم تؤكد أن البلد تسير نحو منزلق خطير قد يجر ليبيا إلى الإفلاس والانهيار، فلا بد من التوقف قليلًا وطرح بعض الأسئلة المهمة: كيف كان معمر القذافي يحكم ليبيا؟ لماذا الوضع الاقتصادي كان مستقرًّا؟ كيف استطاعت ليبيا توفير مجنب من النقد الأجنبي يقدر بنحو ثلاثمائة مليار دولار؟ 

نظام الحكم في ليبيا كان من خلال المؤتمرات الشعبية واللجان الشعبية ومؤتمر الشعب العام واللجنة الشعبية العامة، وبما أن هذه الفكرة جديدة وتطبيق حقيقي للديموقراطية المباشرة وبما أن معمر القذافي صاحب فكرة النظرية العالمية الثالثة كان يتابع تنفيذها وتطويرها بشكل مستمر، وكان يرشد ويوجه المؤتمرات الشعبية واللجان الشعبية ويطالبها بممارسة صلاحياتها وفق القانون رقم (1) بشأن نظام عمل المؤتمرات الشعبية واللجان الشعبية، بل كان معمر القذافي يتعمد حضور جانب من جلسات هذه المؤتمرات في جلسات الانعقاد العادي والطارئ، ويشجع في الجماهير على مناقشة القضايا التي تخص حياتهم اليومية واتخاذ القرارات التي تتعلق بمختلف مجالات الحياة، وكان معمر القذافي يتابع تنفيذ هذه القرارات بشكل مستمر مع اللجنة الشعبية العامة ومؤتمر الشعب العام، فيمكن لقرار مؤتمر شعبي أساسي في طبرق أو الكفرة أو سبها أن يكون اهتمام اللجنة الشعبية العامة ومتابعة شخصية من معمر القذافي، فنظرية الحكم في ليبيا تقوم على مؤتمرات شعبية تقرر ولجان شعبية تنفذ.

كان معمر القذافي يلتقي مع التجمع العام للمؤتمرات الشعبية واللجان الشعبية والنقابات والاتحادات والنقابات والروابط المهنية في مؤتمر الشعب العام في مناسبتين كل عام، الأولى في إعلان قيام سلطة الشعب في الثاني من مارس، والثانية في الأول من سبتمبر بمناسبة ثورة الفاتح، هذه اللقاءات كانت تستمر لعدة ساعات، وكان معمر القذافي يتطرق فيها إلى أدق التفاصيل، ولا تخلو هذه اللقاءات من التوجيه والنقد والمحاسبة، وقد يصل الأمر إلى إقالة اللجنة الشعبية العامة بالكامل بسبب إهمال تنفيذ قرار مؤتمر شعبي أساسي في سمنو أو سلطان، إضافة إلى ذلك كان معمر القذافي يدعو أعضاء المؤتمرات الشعبية لحضور هذه الاحتفالات واللقاءات ويسمح لهم بالحديث عن احتياجات مناطقهم والقرارات التي تم اتخاذها في مؤتمراتهم الشعبية ولم يتم تنفيذها، وكانت القنوات الرسمية في الجماهيرية العظمى تقوم بنقل جلسات الانعقاد العادي والطارئ للمؤتمرات الشعبية الأساسية، وكان معمر القذافي يتابع هذه الجلسات بشكل دقيق، فكانت القرارات تتخذ في المؤتمرات الشعبية الأساسية ثم يتم صياغتها في المؤتمر الشعبي للشعبية وتحال إلى مؤتمر الشعبي العام والذي بدوره يحيل هذه القرارات إلى اللجنة الشعبية العامة للتنفيذ، وكانت الميزانيات ترصد للجان الشعبية للشعبيات لتنفيذ قرارات المؤتمرات الشعبية الأساسية.

وبما أن معمر القذافي هو صاحب فكرة النظرية الجماهيرية وهي أن تحكم الشعوب نفسها بنفسها من خلال مؤتمرات شعبية تقرر ولجان شعبية تنفذ، كان لا يتهاون مع أي كان في نجاح هذه النظرية وهذه الطريقة التي كان يحكم بها معمر القذافي وكان يسعى إلى تخليص كافة الشعوب من الظلم والعبودية والاستبداد.

أما إجابة السؤال الثاني لماذا الوضع الاقتصادي كان مستقر؟ 

فإن ليبيا من الدولة الريعية، وهي الدول التي تعتمد بشكل كبير على عائدات الموارد الطبيعية، مثل النفط أو الغاز، كمصدر وحيد للدخل الوطني. وهذه الدول سريعة التأثر بالتقلبات العالمية في أسعار الموارد الطبيعية، ما يمكن أن يؤثر على استقرار الاقتصاد وتأمين الميزانيات السنوية اللازمة لتنفيذ خطط وبرامج التنمية، وبما أن الدولة مرت بالعديد من التحديات الخطيرة وتعرضت للقصف والحصار كان لابد من وجود بدائل، وكان القذافي يتحدث دائما عن نصيب الأجيال القادمة لذلك تم اقتراح تجنيب مبلغ سنوي من الإيرادات السنوية للدولة توضع في حساب خاص باسم المجنب، يكون بمثابة رصيد للدولة الليبية في وقت الحرب والكوارث الطبيعية.

لقد نجح معمر القذافي في تجنيب مبلغ تقريبًا 300 مليار دولار، وهذا المجنب أسهم بشكل كبير في استقرار الوضع الاقتصادي، وكان المصرف المركزي قادرًا على تلبية احتياجات الزبائن من النقد الأجنبي، إضافة إلى احتكار الدولة الليبية لاستيراد السلع الأساسية والمحروقات عن طريق المؤسسة الوطنية للسلع التموينية والمؤسسة الوطنية للنفط، والشيء الأهم هو هيبة الدولة الليبية، ولا يستطيع أحد بيع لتر واحد من النفط خارج إطار المؤسسة الوطنية للنفط، وكانت هناك سيطرة على جميع المنافذ البحرية والبرية، رغم أن معمر القذافي رجل سياسة فإنه نحج في الجانب الاقتصادي بشكل كبير ولم يتأثر الاقتصاد الليبي، رغم عدم وجود تنوع اقتصادي، بالتقلبات العالمية، حتى عندما كان سعر برميل النفط يساوي نحو 25 دولارًا في عام 2001.

الخبرة وبعد النظر واستقراء الأحداث التي كان يتمتع بها معمر القذافي هي السبب الرئيس في استقرار الاقتصاد الليبي، والإجابة عن السؤال الثالث بعد الإجابة الشافية والكافية عن السؤالين الأول والثاني لم تعد صعبة، فالسؤال يقول كيف استطاعت ليبيا توفير مجنب من النقد الأجنبي يقدر بثلاثمائة مليار دولار؟ 

ربما تكون الإجابة عن السؤالين الأول والثاني أعطت بعض المؤشرات عن إجابة السؤال الثالث، أن تطبيق بعض القوانين واستخدام معمر القذافي للشرعية الثورية من أجل حماية الثورة وثروة الليبيين ومدخراتهم كان السبب الرئيس في توفير هذا المبلغ الضخم فقانون من أين لك هذا وقانون التطهير وجدت للقضاء على دواعش المال العام، وبما أن الأوضاع الاقتصادية كانت مستقرة في ليبيا قبل أحداث فبراير وكانت الميزانيات السنوية يتم اعتمادها في مؤتمر الشعب العام وتقوم اللجنة الشعبية العامة للمالية بتنفيذها في ظل وجود رقابة شعبية أثناء عملية التنفيذ فلم يسجل المصرف المركزي أي عجز في الميزانية، ولا يوجد دين عام، بل كانت تعتمد الميزانيات السنوية مع وجود فائض في خزائن المصرف المركزي، ولهذا السبب اقترح معمر القذافي فتح حساب يسمى حساب المجنب توضع فيه كل سنة قيمة غير قابلة للصرف إلا في الحالات الطارئة، وكان معمر القذافي يتابع -بشكل شخصي- هذا الحساب، ويعتبره كاحتياطي استراتيجي للدولة الليبية، واستمر تجنيب الأموال في هذا الحساب لعدة سنوات.

إن النظرة الثاقبة والقدرة على قراءة الأحداث كانت السبب الرئيس وراء إنشاء هذا الحساب، ففي أكثر من مرة حذر معمر القذافي الليبيين بالخطر الذي يستهدفهم، فهم شعب قليل يتربع على ثروات هائلة من النفط والغاز وحوض جوفي كبير من المياه ومساحات شاسعة من الأراضي الصالحة للزراعة، ما يؤكد أهمية الموقع الجغرافي والسياسي والاقتصادي والعمق الاستراتيجي للدولة الليبية، ومن هذا المنطلق كان معمر القذافي يفكر بالمستقبل ويهدف إلى تأمين مستقبل الأجيال القادمة، كما حذر كذلك الحكام والرؤساء العرب أن الدور سوف يأتي عليهم جميعًا، وأن الاستعمار سيعود من جديد وسينهب خيرات هذه الدول ويغير أنظمة الحكم بها وسيساعدهم في ذلك العملاء والخونة، وهذا ما حدث بالفعل، فعندما سقط النظام الجماهيري في ليبيا استباح الجميع ثرواتها ومدخراتها واستثماراتها وأرصدتها بالداخل والخارج.

زر الذهاب إلى الأعلى