الاستجابة للمطالب الشعبية أشرف من الرضوخ للابتزازات الأجنبية

بقلم/ محمد جبريل العرفي
شاهدنا جزءًا من اجتماع عبد الحميد الدبيبة مع قيادات مؤسسة النفط، بحضور وزير المالية ورئيس ديوان المحاسبة، حيث كان صادقًا في صحة المعلومات التي ذكرها. وواجبنا الأخلاقي يُحتم علينا دعم معظم ما أمر بتنفيذه، لأنه يهمُّنا الموقف من المشروع لا من الأشخاص، وقد استعرض ممارساتٍ قصَّرت أجهزة إنفاذ القانون في منعها أو معاقبة مرتكبيها.
بدأ بوزارة الخارجية، حيث توجد 133 بعثة يعمل بها نحو 2000 ليبي و1500 موظف محلي، وتطرَّق إلى ظاهرة الازدواج بين العمل الدبلوماسي وتولي وظائف قيادية في الداخل، تناول فساد البعثات، وقرارات الإيفاد والتمديد التي أنكر علمه بها، والمبالغة في المهام الرسمية الخارجية، واقتصارها على الإدارة العليا.
وتحدث عن مبادلة النفط الخام والمحروقات، قائلًا إن هذا النظام كان متّبعًا قبله بسنوات، واتهم المؤسسة بأنها تآمرت عليه عندما حاول إيقافه، فافتعلوا أزمة نقص الوقود، كما اتهم المؤسسة بالمشاركة في تهريب الوقود، وتحدث عن تأخرها في إيداع عوائد النفط لدى المصرف المركزي، وتهاونها في تحصيل الديون من زبائنها الأجانب، وصرَّح بأن بعضها تجاوز مليار دولار، ولم يذكر أنها جريمة، رغم أنها تدرُّ فوائد كل ساعة، فكيف إن استمرت لسنوات!
تناول كذلك قيام شركات قطاع خاص بالسيطرة على النفط الخام وتهريبه للخارج، وذكر شركة (أركنو) بالاسم، حيث أفاد رئيس المؤسسة أن هذه الشركة تأهلت ضمن نحو خمس شركات خاصة، وهي مدعومة من شركة “شلومبرجير”، ثم تم اجتزاء الحديث حول (أركنو)، فلم نعلم شيئًا عن تاريخ إنشائها، أو ملاكها، أو جنسيتها، أو قدراتها. ولم يُتطرّق إلى جريمة الحفر البيني لحقول منتجة، وإرهاق المكامن، أو إلى تقييد إدارة التفتيش والقياس بالوزارة عن مراقبة التصدير.
كان الدبيبة يقرأ عناصر الموضوع من بطاقات مكتوبة مسبقًا بعناية، ويتحدث بلهجة غاضبة وهجومية تجاه المؤسسة، وبأسلوب إصدار أوامر دون إفساح المجال للنقاش، باستثناء حديثه حول (أركنو) التي نرى أنها بيت القصيد من اللقاء برمَّته.
ثم أصدر قرارات جريئة (سيُشكر عليها) إن استطاع تنفيذها، حيث أمر بوقف نظام المبادلة، وأمهل المؤسسة 48 ساعة لإيداع ريع النفط في المصرف المركزي، قائلًا: “هذا بيت مال المسلمين (محفظتنا)”.
وصرّح بأنه سيُقفل عددًا من السفارات، وسيُعيد خمس موظفيها، كما قرر تشكيل لجنة من ديوان المحاسبة والرقابة الإدارية لمراجعة عقود النفط من 2021 إلى 2025، للتدقيق في إجراءات التعاقد والعطاءات، والتأكد من مطابقتها للتشريعات النافذة، الشفافية والمعايير العالمية، وشملت مهام اللجنة مراجعة السجل القانوني للمتعاقدين، والتأكد من تنفيذهم لالتزاماتهم، وطالبها بإيقاف التجاوزات (التي كان بعضها بتوقيعه)، والإبلاغ عن المخالفين. كما أمر باقتصار المهام الخارجية على المنتديات الإقليمية والدولية، وقرر وقف البعثات الدراسية (التي هي متوقفة أصلًا ومقصورة على المرموقين وأبناء حكومته)، وأمر بزيادة السعة التخزينية للوقود من خلال إعادة تأهيل مستودع وقود مطار طرابلس، وإنشاء خزانات جديدة.
كل هذه الإجراءات نشدُّ على يديه لتنفيذها، باستثناء الوقف الكامل للبعثات الدراسية؛ فالواجب مراجعتها وتنقيتها من المحاباة، والتسريع بتنفيذ قرارات إيفاد المعيدين والمتفوقين، كما أخطأ في منحه إذنًا لكبار المستهلكين لاستيراد حاجتهم من الوقود بأنفسهم، لأن ذلك يُضعف القوة التفاوضية في الاستيراد، ويُشكِّل بؤرة فساد، ويُلقي عليهم عبء توفير اللوجستيات.
الفساد الممنهج في قطاع النفط استشرى منذ قدوم السراج عام 2016، وكانت تجربة السنوات الخمس مع الدبيبة أسوأ، خصوصًا مع قدوم بن قدارة. ولهذا، يراودنا الشك في دوافع هذا الموقف المستحدث: فهل هذه الإجراءات استجابة فعلية لمطالب شعبية؟ خصوصًا أنه كرر عبارة “أمام الليبيين”، أم أنها رضوخٌ لضغوط محلية ودولية، أم محاولة لإحراج خصومه، أم أنه أدرك أن رحيله قد اقترب، فقرر اتخاذ خطوات استباقية للتملُّص من المسؤولية، وتجهيز دفوعه، بالقول إنه لم يعلم، أو أمر بإيقاف ما علم به؟
لا نتوقع أن ينجح في إجراءات وقف تهريب الوقود، لأنها تدار من مافيات تملك السلاح. فإن شكَّل الدبيبة خطرًا على نشاطها، قد يُتخلَّص منه بالموت، أما عن شفافية استيراد الوقود وتوصيله إلى المستهلك، فقد تسوء أكثر مع منح كبار المستهلكين صلاحية الاستيراد، فبدلًا من “بريقة” واحدة فاسدة، ستنشأ “بريقات” لكبار المستهلكين، كالكهرباء، والصناعة، والميليشيات.
نفطنا منذ الستينيات يشوبه الفساد. وهذا الاجتماع ذكرني بلقاءٍ رمضاني عام 2000، عرض فيه المرحوم البوعيشي اللافي (المراقب المالي للمؤسسة) 16 ملفًّا لقضايا فساد في قطاع النفط، أخطرها قضية “ريبسول”، التي تم فيها سحب معادلة (أبسا) من العقد.
تلك المعادلة التي تُحقق توازن الفوائد بين المشغل والمالك، اعتمادًا على عاملي حجم الاستكشاف وتذبذب أسعار النفط. كما تناول التقرير قضايا الاحتياطي والتسويق وغيرها.
وبناءً على ذلك التقرير، وجَّه “الشهيد الصائم” بتشكيل لجنة تحقيق برئاسة أمين اللجنة الشعبية العامة (مبارك الشامخ)، ورئيس التطهير (عبد الرحيم جبريل) نائبًا له، وعضوية مندوبين عن الرقابة الإدارية (إبراهيم لياس)، والمراقبين الماليين (علي الأسطى)، والأمن الخارجي (حسين بالنور)، والداخلي (مصطفى المعكف)، وحركة اللجان الثورية (محمد جبريل)، وقد تمت دراسة الملفات، وأُحيلت المخالفات إلى محكمة الشعب، فعوقب بعض المدانين، وتمت تبرئة الأغلبية، واتُّخذت إجراءات لتحسين أسلوب التسويق وإدارة الاحتياطي، الذي حذر منه البوعيشي بقوله: “إذا استمرَّ الخلل بين الإنتاج والاستكشاف، فلن تجد وقودًا لسيارتك الواقفة أمام هذه الخيمة”.
