مقالات الرأي

التحدي الأكبر 

بقلم/ المهدي الفهري

رغم أن العالم يتغير بوتيرة متسارعة تظل اللغة أداة أساسية في التعبير عن تحولات الفكر والمجتمع، ليس لأنها وسيلة ضرورية للاتصال والتواصل مع الآخرين، بل لأنها مرآة ثقافية تعبر عن القيم وتعكس الأحوال والأحداث وتعيد ابتكار وتوليد الوعي، وكثيرًا ما يطرح سؤال يتناول اللغة والحداثة بين التجديد والتجذير، وكيف يمكن للغة أن تساير روح العصر دون أن تتخلى عن جذورها؟ وهل التحديث تجديد للتراث أم قطيعة معه ومن داخل اللغة نفسها؟ لا سيما وإن نفض الغبار عن بعض الكلمات القديمة وإعادة تلميعها لا يعني تجميلها لغويًّا، بل نقلها ثقافيًا من خلال الرغبة في التجديد والتجذير، فاللغة لا تطيق العيش في عزلة، ولا تحتمل الانزواء والانحصار في الزاوية، بل تحتاج إلى التفاعل والتقاطع مع لغات أخرى، ما يجعلها دومًا في حالة تزاحم وتدافع بين المحافظة والانفتاح وبين الصمود والانصهار.

والترجمة أيضًا لا تقتصر على النقل اللفظي، بل تبرز التفاوت الثقافي والفكري بين الأمم والشعوب، وتظهر مدى تفاعل أو تخلف اللغة عن عصرها وزمانها، بيد أن هذا التفاعل ليس خاليًا من التحديات، فالتعصب الفكري والسلوكي عادة ما يكون إفرازًا طبيعيًّا للتعصب اللغوي الذي يبدأ أحيانًا على مستوى الاتصال الشخصي والفردي، ثم يتسع للاتصال الرسمي والعام.

ويزداد المشهد صعوبة حين ندخل مجال المصطلحات الأخلاقية كمثال على الكلمات المثقلة بتراث لا يخلو من الغموض وعدم الوضوح، فكلمة الأخلاق مثلًا تتداخل مع المعاني الدينية والأدبية، ما يجعل من الصعب مقارنتها بطريقة فلسفية نقدية كما هو الحال في مصطلح الاتيقيا التي تهدف إلى تفكيك القيم الأخلاقية وإعادة تأطيرها بحسب الظروف والسياقات، وفي هذا الإطار تطرح إشكالية الحداثة وما تفرضه من قيم عالمية جديدة تحت مظلة العولمة التي يرى البعض أن الانفصال عن مفاهيمها هو الحفاظ على الخصوصية الأخلاقية والحضارية والتاريخية والعودة إلى الجذور، في حين يرى البعض الآخر أن العيش ضمن منظومتها القانونية بات أمرًا حتميًّا للتأقلم مع الدولة الحديثة وتطورها التاريخي والسير وفق نهجها ومنهجها ونسقها الفكري، ولو كانت تتجاهل البعد الأخلاقي لحساب القوانين الوضعية، ومن هنا يبرز الصراع بين القيم الدينية والفطرية وبين المؤسسات التشريعية الحديثة وسط مفاهيم جديدة لا تبدي للجانب الأخلاقي أية أهمية، ولا تعير له أي اهتمام، وتكتفي بالقانون فقط كمسير وأساس في تسيير المؤسسات المختلفة.

وأزمة المفردات الأخلاقية واللغوية تأتي انعكاسًا لأزمة أعمق وهي أزمة الهوية والخصائص الثقافية والاجتماعية التي يشترك فيها الأفراد، وعلى أساسها يمكن التمييز بين مجموعة وأخرى، ما يضع القارئ الشرقي والمتوسطي تحديدًا أمام واقع لا يسمح له بالبقاء في العزلة ولا يمنحه رفاهية تفكيك المُسلمات أو التحرر من الأيديولوجيات السائدة. 

وبين التجذير وسطوة التراث والتقاليد الراسخة والتجديد ووطأة العصر تبقى اللغة فضاء رحبًا للصراع وللتعلم في آن واحد، فهل نستطيع إعادة بناء وصياغة خطابنا الثقافي والفلسفي على أسس أكثر انفتاحًا وإنسانية دون أن نفقد أصولنا وأصالتنا؟! هذا هو التحدي الأكبر!

زر الذهاب إلى الأعلى