إضاءات قانونية حول أحكام الوظيفة والموظف

بقلم/ أسماء الفسي
في إطار مواصلة تناولنا لأهم الحقوق الوظيفية التي كفلها القانون للموظف العام، نتوقف في هذا المقال عند الحق الأول الذي يُعد أساس التعاقد الوظيفي، ألا وهو المرتب. فعلى الرغم من بساطة السؤال حول تعريف المرتب، فإن التشريعات الليبية قدَّمته بصيغة شاملة تستوعب كافة ما يتقاضاه الموظف نظير أداء عمله.
عرَّف المشرِّع الليبي المرتب في المادة (5) من قانون علاقات العمل رقم 12 لسنة 2010م بأنه المرتب الأساسي مضافًا إليه سائر العلاوات والبدلات والحوافز والمكافآت والمزايا المالية الأخرى المقررة بموجب التشريعات النافذة التي تدفعها جهة العمل للعاملين بصورة مباشرة أو غير مباشرة، وهو ما يُعرف بإجمالي المرتب. أما المرتب الأساسي فهو المقابل المالي المقرر للوظيفة التي يشغلها الموظف، وفقًا للهيكل التنظيمي وجدول المرتبات المعتمد.
وقد عبَّر الدكتور مفتاح عبد الحميد في كتابه “الوجيز في القضاء الإداري” عن أهمية المرتب بقوله: إنه وسيلة تتيح للموظف الحفاظ على مكانته الاجتماعية المقابلة لوظيفته، ومن ثم فإن الهدف الأول من المرتبات هو ضمان حد أدنى من الاستقرار الاقتصادي والاجتماعي للموظفين العموميين حتى يتفرغوا لأداء مهامهم دون انشغال بالحاجات المعيشية.
واستنادًا إلى ما سبق، فإن الموظف العام يستحق أول مرتب له من تاريخ نفاذ قرار تعيينه. غير أن المشرِّع ربط هذا التاريخ ببدء المباشرة الفعلية للعمل، تطبيقًا لمبدأ “الأجر مقابل العمل”، ما يعني أن الموظف لا يستحق أي مقابل عن فترات الانقطاع غير المصرح بها أو أثناء الإعارة، إلا إذا حالت قوة قاهرة -كحالة الاعتقال مثلًا– دون مباشرة العمل، ففي هذه الحالة لا يُحرم من مرتبه.
نظرًا لما يمثله المرتب من أهمية قصوى في حياة الموظف وأسرته، وفَّر له المشرِّع حماية قانونية تتناسب مع هذا الدور الحيوي. فنصت المادة (160) من قانون علاقات العمل على أن الخصم من المرتب لا يجوز أن يتجاوز ستين يومًا في السنة، ولا يجوز أن يتجاوز خصم ربع المرتب شهريًّا عند تنفيذ العقوبة. كما نصت المادة (50) من قانون العمل على أنه لا يجوز الحجز على المرتب إلا في حدود الربع، تعزيزًا لحماية دخل الموظف.
وفي سياق متصل، يبرز الحق الثاني من الحقوق المالية للموظف، وهو العلاوة. يسعى الموظفون العموميون جاهدين إلى التميز في أداء مهامهم، وتحقيق الإنجازات العلمية والعملية التي تؤهلهم للحصول على علاوات من شأنها أن تعزز موقعهم الوظيفي والاجتماعي، وتخفف من وطأة التكاليف المعيشية المتزايدة. وتُعد العلاوات إحدى أهم أدوات التحفيز الإداري، حيث تمنح لمن يُبدي التزامًا وتميُّزًا في العمل، وتُسهم في رفع الأداء والانضباط العام داخل مؤسسات الدولة.
منح العلاوة يعكس تقدير الجهة الإدارية لجهود الموظف، ويعزز روح الانتماء والولاء للوظيفة العامة، كما أن نظام العلاوات يرتبط بتقييم الأداء السنوي، ما يدفع الموظف إلى تقديم الأفضل باستمرار. وتُمنح العلاوة عادةً بشكل دوري –غالبًا سنويًا– وتُعد استحقاقًا يزيد المرتب بصورة منتظمة. كما يجوز وقفها إذا لم يُظهر الموظف تحسنًا ملموسًا في أدائه، بناءً على تقارير تقييم ترفع من رئيسه المباشر.
ولتحقيق التوازن، نصت التشريعات على نوعين من العلاوات، إحداهما دورية تُمنح لمجابهة أعباء المعيشة المتزايدة، والأخرى تشجيعية تُمنح للموظفين المتفوقين في أداء مهامهم، ما يسهم في خلق بيئة تنافسية صحية داخل المرافق العامة، ويعزز ثقافة الإنجاز والانضباط.
