مفهوم عقوبة فقدان الأهلية القانونية

بقلم/ غادة الصيد
تُعد عقوبة فقدان الأهلية القانونية من أبرز العقوبات التبعية المنصوص عليها في قانون العقوبات الليبي، حيث نظمها المشرِّع في الفصل الثالث من الباب الثاني، وتحديدًا في المادة (37)، التي حددت حالات فقد الأهلية القانونية في فقرتيها الأولى والثانية، ووفقًا لنص المادة، يفقد أهليته القانونية كل شخص يُحكم عليه بعقوبة الإعدام، كما يُحرم من أهليته طوال مدة العقوبة كل من يصدر بحقه حكم بالسجن المؤبد أو السجن لمدة لا تقل عن خمس سنوات.
اللافت في هذه العقوبة أنها تُطبق بقوة القانون ودون الحاجة إلى النص عليها في منطوق الحكم، على عكس العقوبات التكميلية التي لا تسري إلا إذا وردت صراحة في الحكم، كعقوبة الغرامة أو العزل من الوظيفة. ويُلزم القانون المحكوم عليه بتعيين قيِّم لإدارة أمواله، تُقرره المحكمة المختصة، وإذا لم يقم بذلك، تتولى المحكمة الابتدائية التي يقع في نطاقها محل إقامته هذا التعيين بناءً على طلب النيابة العامة أو ذي مصلحة. ويجوز للمحكمة إلزام القيِّم بتقديم كفالة، ويكون تابعًا لها في جميع ما يتعلق بالقوامة. كما لا يجوز للمحكوم عليه التصرف في أمواله إلا بإذن من المحكمة، وأي تصرف يتم خلاف ذلك يُعد باطلًا، وتُرد إليه أمواله بعد انقضاء العقوبة أو الإفراج عنه، على أن يقدم القيِّم حسابًا مفصلًا عن إدارته.
تهدف هذه العقوبة إلى الحد من قدرة المحكوم عليه على إدارة أمواله، ما يُعد نوعًا من الحجر القانوني، إذ يُعامل كشخص ناقص الأهلية رغم كمال أهليته المدنية، ما يُشكّل جانبًا عقابيًّا إضافيًّا ذا طابع مالي واجتماعي، وتقتصر هذه العقوبة على التصرفات القانونية المرتبطة بالحقوق المالية، مثل البيع، الإيجار، الهبة، الوقف، الوصية، والرهن. أما الحقوق الشخصية التي لا تتعلق بالأموال، فلا تدخل في نطاق هذه العقوبة، وبالتالي يمكن للمحكوم عليه الزواج، الطلاق، الإقرار بالنسب، والطعن في الأحكام القضائية.
يبدأ سريان هذه العقوبة تبعًا لنوع الحكم، ففي حالة الإعدام تُطبق من تاريخ صدور الحكم النهائي، حتى إن كان المتهم هاربًا، أما في حالة السجن المؤبد أو لمدة لا تقل عن خمس سنوات، فلا تسري إلا من تاريخ القبض على المحكوم عليه وإيداعه السجن، ولا تُطبق عليه إن كان هاربًا إلى حين تنفيذ العقوبة.
ومن المهم التفريق بين المادة (37) من قانون العقوبات والمادة (353) من قانون الإجراءات الجنائية، حيث تنظم الأخيرة أثر الحكم الغيابي الصادر في جناية، وتنص على الحرمان التلقائي للمحكوم عليه غيابيًا من إدارة أمواله أو التصرف فيها، وتعيين حارس قضائي لإدارتها، وذلك في إطار الضغط على المتهم الغائب ليمتثل أمام القضاء. رغم أن عنوان العقوبة يوحي بالعموم، فإن مفهوم فقدان الأهلية القانونية وفق المادة (37) مقصور على الأعمال القانونية المتعلقة بالحقوق المالية، دون أن يمس بالحقوق الشخصية، ليكون بذلك وسيلة للضغط والعقاب دون الإخلال بحقوق الإنسان الأساسية.
