مقالات الرأي

طالب الولاية لا يُولَّى!

بقلم/ مصطفى الزائدي

ينتظر الليبيون حدوث معجزة لتتشكل سلطة وطنية قوية، قادرة على توحيد مؤسسات الدولة، ومعالجة الأزمات الحياتية اليومية، وبسط الأمن، ومكافحة الفساد، والحد من آثاره التدميرية على بنيان الدولة وأخلاقيات المجتمع، والتمهيد للشروع في مسار ديمقراطي حقيقي يتمكن من خلاله الليبيون من وضع نظام سياسي واجتماعي واقتصادي يتناسب مع ظروفهم وواقعهم، ويمكنهم من تحقيق استقرار مستدام، وإطلاق عملية تنموية حقيقية وجدية، والتأسيس لتعايش سلمي بين الليبيين، المتساوين بالكامل في الحقوق والواجبات، وبمشاركة الجميع دون تمييز أو إقصاء.

لكن يبدو أن الانتظار سيكون طويلًا، وعلى الليبيين تحمُّل مزيد من الصعاب، والتحلِّي بصبر طويل حتى تتحقق تلك المعجزة!

في تقديري، ما نقرؤه ونسمعه ونشهده أحيانًا من توجهات هنا وهناك لتشكيل حكومة جديدة، ونتائج غير عادية في مخرجات اللجنة الاستشارية، مجرد بيع للأوهام، وإن حدث وتكوَّنت حكومة جديدة، فلن تكون أفضل من سابقاتها، بل قد تكون أكثر سوءًا! فالليبيون فقدوا زمام أمرهم، وضاعت فرص المبادرة من بين أيديهم، وسُلِّمت كل مفاتيح إدارة الأزمة إلى أعدائهم المستترين تحت عباءة ما يُسمى بـ”المجتمع الدولي”، الذي نجح نجاحًا باهرًا في تدوير الأحداث وإدارة الأزمة لتكون المحصلة (محلك سر)، وأصبح كل يوم يمضي أسوأ بكثير من سابقه على كل الأصعدة، وتضاءل الأمل شيئًا فشيئًا. أغلب الليبيين يُدركون أن إنقاذ الوطن، والحفاظ على وحدته واستقراره واستقلاله، صار أمرًا أقرب إلى المستحيل منه إلى التحقق.

ما دفعني إلى كتابة هذا المقال هو ما نراه من ضجيج إعلامي ووجيج سياسي حول تبني إنشاء حكومة جديدة، بنفس مسببات وآليات حكومات التوحيد السابقة التي رسَّخت مزيدًا من الانقسام، وحول من يقدمون أوراقهم، ويشترون التزكيات المطلوبة، والدعم الدولي الضروري بالمال والتنازلات المريبة، للترشح لقيادة الحكومة الجديدة. لا يتورعون عن التبجح بأنهم حصلوا على تأييد قوي من هذه الدولة أو تلك، حتى إن بعضهم نشر صورة له أمام البيت الأبيض، ويقول بكل سذاجة: “هذا خلفي!!”.

فماذا ينتظر الشعب من هكذا أشخاص لو وصلوا إلى ما يسعون إليه؟

هل يمكن لأشخاص يقدمون كل شيء من أجل الوصول إلى المنصب أن يكونوا أداة حل وطني؟

الإجابة القطعية: لا.

لا يُعقل أن ننتظر ممن يشتري تزكيات مجلس النواب والدولة بالأموال الطائلة الفاسدة، ويسعى إلى الحصول على دعم الدول النافذة بالتنازلات الخطيرة عن سيادة الوطن وثرواته، أن يكون شخصًا قادرًا على فعل أي شيء نافع. بل لن يختلف عن سابقيه، بل ربما يكون أسوأ بكثير. ولعل الأداء التنازلي للحكومات والمسؤولين الذين وصلوا إلى السلطة خلال الأعوام الماضية يثبت ذلك بشكل قاطع.

البلدان المتأزّمة تحتاج إلى شخصيات وطنية قوية، قادرة على الفعل وتحقيق النتائج، وتمتلك رؤى واسعة لوضع برامج سياسية واضحة ومحددة. مثل أولئك الأشخاص لا يقدِّمون أنفسهم ولا يسعون إلى السلطة، بل على الناس أن يبحثوا عنهم ويأتوا إليهم ويشجعوهم.

في ليبيا، لا شك أن هناك عددًا كبيرًا من الشخصيات الوطنية الواعية بطبيعة الأزمة، والقادرة على التعامل معها بجدية وعقلانية وفاعلية، وهم معروفون، فالشعب الليبي قليل العدد، والناس معروفة بأفعالها. ونستطيع أن نجد ونجتمع على بعض منهم من ذلك العدد الكبير، والذين، في تقديري، لن يتأخروا عن تحمُّل المسؤولية حال طُلب منهم ذلك.

النموذج الأقرب إلى الأذهان ما حدث في ثورة الكرامة، عندما تعب الناس من عبث وممارسات التنظيمات الإرهابية في المنطقة الشرقية، وتزايدت عمليات التصفية الرهيبة التي طالت ضباط الجيش والأمن والمثقفين والقادة الاجتماعيين، فزحفوا إلى المشير خليفة حفتر، وطالبوه بأن يقود معركة وطنية للدفاع عنهم وعن الوطن. وكانت استجابته، ومن انضم له من القوات المسلحة والأمن والشباب بالأحياء، حاسمة، ونجح، بفضل ثقة الناس بهم ودعمهم لهم، وتمكنوا، وهم فئة قليلة تعدُّ بالعشرات، من تطهير ثلثي ليبيا تقريبًا من المجموعات الإرهابية والتشكيلات الإجرامية.

وأيًّا كان تقييم البعض لثورة الكرامة، فإن نظرة موضوعية خالصة، بعيدًا عن التقييمات المسبقة والمواقف الأيديولوجية، تنبئنا بأن لا طريق لليبيين للخروج من الأزمة إلا بالبحث عن قيادات وطنية، والدفع بها، ودعمها، والعمل معها لإخراج البلاد من محنتها، بعيدًا عن الحسابات الخاصة، والأجندات الحزبية، والمواقف الجهوية، والدوافع القبلية والاجتماعية.

إن الأفكار الساذجة حول التوافق والمحاصصة لم تكن نتيجتها سوى انقسام متعمق، وفساد رهيب، وسيطرة مجموعات بعضها من السفهاء، وبعضها من غير المتعلمين ولا القادرين، وبعضها من الطامعين، وبعضها من الإرهابيين. وهذا أمر لن يتحقق، طال الزمن أم قصر. وهذا النموذج المفروض علينا لن ينجح حتى في البلدان المستقرة، فكيف ببلد ضربته أزمة عنيفة، تداخل فيها معطىً خارجيٌّ أساسي، ومعطيات داخلية نفعية ومصلحية، فتقسمت البلاد، وهددت في وجودها ووجود الشعب الليبي بها. ومن هنا، ليس لنا إلا العمل بما نُقل عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قبل 1400 سنة فيما معناه:“طالب الولاية لا يُولَّى”، صح الحديث أم لم يصح، فهو قولٌ حقيقيٌّ ومناسب لنا نحن في هذا الزمن.

زر الذهاب إلى الأعلى