التوطين مسمار أخير في نعش الوطن

بقلم/ ناجي إبراهيم
بعد أن تحولت ليبيا إلى مكبٍّ للنفايات الغدائية والدوائية التي تدخل بدون حسيب ولا رقيب وصارت مكبًّا للنفايات النووية، هل ستتحول إلى مكبٍّ للنفايات البشرية؟
ما توجسنا منه خلال التحركات التي تحدث على الساحة الليبية شرقًا وغربًا وجنوبًا ينظمها دبلوماسيون ومبعوثون رسميون ومنظمات تحمل شعارات إنسانية تدفع نحو توطين المهاجرين غير الشرعيين في الجغرافيا الليبية ومنعهم من عبور البحر نحو شمال المتوسط، بات اليوم واقعًا نراه ونلمسه، وما كان بالأمس تلويحًا صار اليوم تصريحًا عقب التصريحات التي صدرت عن الإدارة الأمريكية بخصوص (نقل الناس السيئين الذين ترفض بلدانهم الأصلية استقبالهم) إلى ليبيا ورواندا وجاءت بعد زيارات قامت بها أطراف ليبية لواشنطن.
تنبئ هذه التصريحات عن تفاهمات جرت أثناء اللقاءات التي تمت على هامش الزيارة، رغم أنني أستبعد أن تكون تفاهمات بين طرف غالب وآخر مغلوب، ولكنها تعليمات واجبة التنفيذ تلقاها من تم استدعاؤهم للبيت الأبيض، بعد الذي تم الإعلان عنه من واشنطن باتت ليبيا تواجه خطر التغيير الديمغرافي، بعد الخطر الجيوسياسي الذي نبهنا عنه مرارًا وتكرارًا.
لقد بات الوجود المادي لليبيين جغرافية ووطنًا وشعبًا في خطر حقيقي على الليبيين، اليوم واجبًا تاريخيًّا لحماية مستقبلهم ومستقبل أولادهم والحفاظ على وحدة ترابهم والدفاع عن ثرواتهم، وذلك يتطلب التخلي عن خلافاتهم وتوحيد صفوفهم لمواجهة مشروع التوطين وحل مشكلة الهجرة غير الشرعية التي تؤرق أوروبا وأمريكا وربما العالم على حساب وحدة ليبيا وأمنها واستقرارها، إذا ما تم تمرير هذا المشروع ستشهدون تغييرًا ديموغرافيا في جغرافية ليبيا الحالية، وربما سيكون الليبيون أقلية في هذا المخطط إذا ما تشكلت دولة متعددة الهويات تذيب هويتكم العربية والإسلامية وسط الهويات المستوردة والمفروضة، هذا إذا تبقى لكم وجود مادي أصلًا، ناهيك عن ثرواتكم التي لن تكون تحت أيديكم مستقبلًا وستصبحون متسولين.
المهاجرون الذين تصفهم أمريكا بالسيئين هم بالتأكيد ينحدرون من بلدان ولهم انتماءاتهم العرقية والدينية، وأجبرتهم الحاجة والفاقة التي تسببت فيها الرأسمالية المتوحشة والإمبريالية التوسعية التي نهبت ثروات تلك الشعوب واكتنزتها في بنوكها الربوية، على الهروب من الفقر والحاجة إلى البلدان التي أفقرت بلدانهم وتحولت إلى وجهة ومقصد لهم طمعًا في كسرة خبز أو بعض فتات على موائدهم، ولهم الحق في ذلك، فهم يشاهدون الهدر والاستنزاف لثرواتهم لتصب في جيوب الرأسماليين في الغرب، وهم يتضورون جوعًا رغم خطر الموت الذي يهددهم في رحلتهم نحو ثرواتهم المنهوبة، فاختاروا بين موت بطيء في بلدانهم أو موت محتم على قوارب الهجرة فاختاروا الثانية، هؤلاء هم من ستعيد تهجيرهم بلدان الغرب وتوطينهم في بلدان أخرى وممن نجوا من الموت المحتم، هل أمريكا بوصفها للمهاجرين بالسيئين تلمح وبطرف خفي لليبيين بأنهم سيؤون، وأنه لن يوجد مكان سيئ يمكن أن يقبل هؤلاء السيئين غير ليبيا المكان السيئ؟
ألا توجد في هذا الوصف إهانة للشعب الليبي من خلال أطراف مثلتهم ولم ترد هذه الإساءة؟ لم يقابل التصريح الأمريكي بأي رد رسمي ليبي، وهو أمر غير مبرر في العرف الدبلوماسي، ويوجد له تفسير واحد فقط وهو موافقة وقبول من قبل الأطراف الليبية جميعها، موافقتها على السياسات الأمريكية بخصوص إعلانها على توطين المهاجرين السيئين في الأراضي الليبية ضمن مشروع واسع يستهدف توطين المهاجرين غير الشرعيين يتوافق مع المخطط الإيطالي الأوروبي الغربي، والموقف الشعبي الصامت أيضًا لا يقل خطورة عن الموقف الرسمي ويعطي إشارات إيجابية للخارج على موافقة شعبية على قبول المخطط.
الموقف الرسمي لقيادات الأمر الواقع ربما نفهمه قد يكون صفقة تمت، التوطين مقابل التمديد لهم في السلطة أو ربما بدافع الخوف، أو يأتي في سياق الأدوار الوظيفة الموكلة لهم من صاحب المشروع، إلا أن الصمت الشعبي لم نفهمه إلا في إطار غياب الوعي بخطورة المشروع الذي يجب أن ننبه منه وندعو إلى رفضه بكل السبل والإمكانات المتاحة وخاصة السلمية منها ومن ثم التصعيد إلى مواجهة هذا المشروع بالقوة، الأمر يتعلق بمستقبلنا ومستقبل أولادنا في وطن يضمنا جميعًا قبل أن نتحول إلى متسولين في مدن ودول العالم، هذا إذا وجدنا من يستقبلنا ولم نوصف بأننا مهاجرون سيؤون.
المواجهة الآن باتت واجبة للدفاع عن البقاء والوجود المادي، الذي يتهدده الخطر بالزوال، بفعل المخطط الاستعماري وتواطؤ بعض المسؤولين والذي سيحول وجودنا المادي إلى العدم ونفقد حقنا في وطن يجمعنا، وقد نشطب من الجغرافيا وندفن في التاريخ.
