مقالات الرأي

غياب الموقف العربي الموحد والحازم في مواجهة التحديات المشتركة 

بقلم/ محمد علوش

نحن بأمسِّ الحاجة في الظرف التاريخي الذي نعيشه اليوم إلى صياغة موقف عربي متماسك وصلب وقوي بشأن القضية الفلسطينية بشكل عام، وتقديم طرح عربي عام يقابل الطرح الأمريكي الذي يحاول النيل من القضية الفلسطينية وحقوق الشعب الفلسطيني الثابتة وغير القابلة للتصرف.

كان قد حدد موعد لعقد القمة العربية في القاهرة، وأرجئت القمة الى موعد آخر، وسبق ذلك عقد اجتماع في الرياض “الاجتماع الخماسي العربي” بحث تطورات الوضع في فلسطين والمنطقة العربية، وتوقف أمام المعركة المصيرية التي تخص الشعب الفلسطيني وقضيته الوطنية، كما تخص الأمن القومي العربي، وذلك تحت وطأة سياسة التهديد والوعيد التي أطلقها الرئيس الأمريكي بتهجير الشعب الفلسطيني واقتلاعه من أرض وطنه إلى الدول العربية أساسًا، أو إلى أي مكان في العالم.

وذلك الاجتماع لم تدعَ إليه فلسطين، صاحبة القضية التي يكابد شعبها وجع الاغتراب وفظاعة العدوان وحرب الإبادة الجماعية والتطهير العرقي وجرائم الوحشية الإسرائيلية الأمريكية، وهذا مؤشر خطير للغاية، وربما سيفتح الباب لاحقًا للوصاية العربية والدولية على الشعب الفلسطيني، في خطة تعتبر انقضاضًا على أهم منجز سياسي للكفاح الوطني الفلسطيني، وهو التمثيل الشرعي المستقل للشعب الفلسطيني، ممثلًا بمنظمة التحرير الفلسطينية، الذي اعترفت به دول العالم أجمع، وأمام هذا التحدي الكبير والمصيري، لا نملك ترف الوقت، وقد آن الأوان لمغادرة الرهانات السياسية الخاسرة بديلًا لاستعادة الوحدة الوطنية الفلسطينية والبرنامج الكفاحي المقاوم للعناوين الاستعمارية الجديدة، الضم والتهجير واستكمال مشروع إسرائيل الكبرى والسعي إلى تكريس مخطط الشرق الأوسط الجديد.

ليس أمام الدول العربية سوى مواصلة الرفض لخطة تهجير الشعب الفلسطيني، ليس فقط لأنه يهدد أمنهم القومي، بل لأنه أيضًا يهدد مصير الشعب الفلسطيني نفسه بالضياع الكامل، وإن الرفض السياسي وحده لا يكفي، بل يجب أن يقترن بقرارات واضحة وجلية وحازمة، تؤكد على حق تقرير المصير للشعب الفلسطيني، وحقه في العودة إلى وطنه ودياره وإقامة دولته الفلسطينية المستقلة، على أرض وطنه وعاصمتها القدس، والدول العربية تمتلك العديد من أوراق الضغط الكافية لإيقاف السياسات والمواقف الأمريكية المنفلتة من كل الضوابط السياسية والإنسانية، ومسؤوليتها القومية تستدعي الحفاظ على مصالحها ومصالح الشعب الفلسطيني الذي دفع أثمانًا لها تشبه الملاحم الأسطورية، حيث نتطلع إلى موقف عربي موحد وحازم في مواجهة المشاريع الاستعمارية الجديدة.

إن القمة العربية التي ستحتضنها القاهرة، ستكون قمة غير اعتيادية من حيث الدعوة والمكان، ارتباطًا بمضمون القمة والتحديات التي تواجه النظام الرسميَّ العربيَّ، بما في ذلك وجود الشعب الفلسطيني على أرضه، وليس نظامه السياسي فقط، وهناك رؤية فلسطينية مهمة وجب التقاطها في الدورة المرتقبة لقمة العرب، والرؤية الفلسطينية ليست وظيفتها سد الفراغ السياسي بقدر ما هي أولويات جدول أعمال القمة، وتجيب عن الأسئلة الضرورية من قبل القيادة الفلسطينية الشرعية، انطلاقًا بأن اليوم التالي لغزة هو يوم فلسطيني، وانطلاقًا من وحدة الأراضي الفلسطينية في قطاع غزة والضفة الغربية والقدس الشرقية، ووحدة النظام السياسي، وولاية دولة فلسطين القانونية والسياسية والجغرافية على الأراضي الفلسطينية المحتلة، طبقًا لقرارات الأمم المتحدة ذات الصلة، والقمم العربية، وبخاصة مبادرة السلام العربية.

والرؤية الفلسطينية لم يكن الهدف منها تأكيد المؤكد لوجوب ممارسة الحكومة الفلسطينية لصلاحياتها بقطاع غزة كما هو الحال بالضفة الغربية، وإنما ما تقوم بها حكومتها الشرعية في قطاع غزة، وكيف تمارس مهامها ومسؤولياتها في تقديم الدعم الإغاثي وتنفيذ برامج التعافي المبكر في كافة المجالات عبر لجانها المنخرطة بصفوف الشعب الفلسطيني بالقطاع، بهدف تثبيت المواطنين وتوفير سبل الدعم والإسناد لهم بالبقاء على أرضهم، أرض وطنهم الذي لا وطن لهم سواه، ورفض سياسة التهجير كفعل وطني مقاوم.

والرؤية الفلسطينية تجيب بشكل واضح على ربط اليوم التالي بمسار سياسي وبجدول زمني يؤدي إلى مؤتمر دولي لإنهاء الاحتلال الإسرائيلي على الأرض الفلسطينية، وإقامة الدولة الفلسطينية على حدود الرابع من حزيران وعاصمتها القدس، وهذا المسار تحقيقًا لـ “المبادرة السعودية للائتلاف الدولي للسلام ولعقد المؤتمر الدولي للسلام” بالشراكة مع فرنسا في حزيران القادم، ولعل مطالبة الرؤية الفلسطينية الأشقاء العرب، والمجتمع الدولي بتوفير الظروف المواتية لعقد الانتخابات الرئاسية والتشريعية على جميع الأراضي الفلسطينية، كما حدث بالانتخابات السابقة، لتحقيق ممارسة الشعب الفلسطيني حقه بالانتخابات وممارسة التغيير عبر صناديق الاقتراع، وليس عبر الوسائل الانقلابية والتدخلات الخارجية، فالرؤية الفلسطينية تمثل برنامجًا سياسيًّا من الممكن أن يشكل الأساس الفعلي لقرارات القمة العربية القادمة، لأنه صادر عن صاحب الشأن والولاية، وليس عن وكلاء مهما علا شأنهم أو تعددت مرجعياتهم.

نأمل أن تبحث القمة العربية سبل مواجهة المشاريع الأمريكية، وصياغة خطة عربية مضادة لخطة ترامب القاضية بتهجير الفلسطينيين من قطاع غزة، وأن تفرز هذه القمة إجماعًا عربيًا على رفض التهجير وسياسات الاقتلاع، بحيث تكون هذه القمة العربية هي الأكثر أهمية في ما يتصل بالعالم العربي الأوسع وقضية فلسطين منذ عقود، ووضع القضية الفلسطينية على رأس الأولويات باعتبارها القضية المركزية للشعوب والدول العربية، وما يتطلبه ذلك من سياسات ومواقف وخطوات تضامنية، والعمل العاجل من أجل تنقية الأجواء العربية وفتح صفحة جديدة في العلاقات العربية/ العربية، على قاعدة التضامن القومي ضد الخطر الإسرائيلي، وضد المشاريع الأمريكية والإقليمية التوسعية التي تستهدف القضية الفلسطينية وقضايا شعوبنا العربية ومصالحها القومية وحقها في بناء مستقبل زاهر وآمن.

زر الذهاب إلى الأعلى