عودة إلى التحليل!

بقلم/ مصطفى الزائدي
لا يحتاج المشهد في ليبيا وبقية أقطار الوطن العربي التي ضربها إعصار الفوضى الخلاقة إلى تدقيق وتمحيص لكي نصفه وصفًا دقيقًا، فالتفتيت والتشتيت هو السمة السائدة، يراها المرء أينما ولَّى بصره بين ركام البلدان المدمرة، ولم ينل المواطن من شعارات التحرر وحقوق الإنسان وخدع التقدم والتنمية والرفاه سوى البقاء على قيد الحياة بصعوبة وفي ظروف شاقة وقاسية، فادعاءات حماية حرية التعبير المزعومة ظهرت على حقيقتها في أبشع صور القمع التي لم يعرفها البشر حتى في العصور المظلمة من تاريخ البشرية، فالثمن باهظ، لم يعد أفواهًا تُكمَّم أو ألسُنًا أو أصابع تقطع، بل صار رؤوسًا تقطع وأجسادًا تمزق، وحلم الرفاه الذي روُّج له لينجر المغفلون في المؤامرة تجسَّد في تدمير ما بنته الشعوب بكدها وعرقها في مرحلة ما بعد التحرر من الاستعمار، وعادت حياة الناس في ليبيا وسوريا والعراق واليمن إلى ما كانت عليه أيام الاستعمار، وصارت مشاهد الطهي على النار والنوم في الظلام الدامس والمبيت في العراء والتنقل على الأقدام والبهائم، ونوم الأطفال جائعين، تتكرر بشكل لم يعد يثير انتباه أحد، أما في فلسطين هدف الربيع الأول فلا مجال للحديث عن شكل الحياة، فلم يعد الوقت كافيًا لحصر أعداد الموتى!! فقط حفنة من اللصوص أكلوا الأخضر واليابس، وانقسم الناس إلى كثرة معوزة في الحضيض وقلة من التافهين تعبث بالأموال وتهدرها ذات اليمين وذات الشمال، دفن القانون ويعمل القضاء على النجاة بجلده، وعاد قانون الغاب وسطوة الأغنياء والمجرمين، أما عن الأمن فحدث ولا حرج، الخوف من كل شيء هو المظلة التي يستظل بها الناس وهم يهربون من الواقع المرير إلى المجهول الغامض. انتشر الكذب في كل شيء وصار التزوير هو جواز المرور لكل من أراد دخول ملعب العبث الأسطوري، وصارت الشهادات والرتب تمنح هكذا كما يوزع اللحم على المعازيم في الأيام الغابرة، كان المضيف يقول لموزع اللحم انظر في الوجوه وأعط اللحم.
تحررت تلك البلدان من نفسها وسُلِّمت مكبلة لأعدائها، ورفعت شعارات يوم التحرير وتشكلت الجيوش الحرة وتعددت قنوات الحرة والأحرار، حتى أن السامع البعيد يتصور أن شعوب المنطقة تتمرغ في جنان النعيم، العملاء يتبارون حول من يقدم خدمة أكثر لأسياده الأجانب، وكل شيء في العلن وعلى الهواء مباشرة ودون خجل أو وجل، هذا يتباهى بأن حماته من تلك الدولة، والآخر يفتخر بارتباطات بدولة أخرى، في بلداننا المنكوبة صار السفراء والقناصل أولياء صالحين يتمسح بجلابيبهم كل من يسعى إلى المزيد!
الحديث عن المشهد في العراق أو سوريا نسخ لصق نقل إلى ليبيا بما فيها التفاصيل البسيطة، ليس لدينا أكراد يبحثون عن الاستقلال صنعوا لنا ما سموه التكوينات الاجتماعية، وهم اسم غريب لمسمى مختلف شكلًا وموضوعًا، أما أسعار الصرف وانقطاع الكهرباء وندرة الوقود والغلاء والفساد وبيع الشهادات والرتب والمراتب فهي نقل حرفي، أما الدواعش والتهريب والجريمة المنظمة فهي واحد هنا وهناك، أما التواجد العسكري العلني والسري الأمريكي والروسي والتركي فالحالة واحدة.
المشهد الليبي ربما صار أكثر تعقيدًا لانعدام مؤسسة الدولة المركزية حتى في صورتها الهزلية أو الشكلية، نتيجة تطورات ربما لم تكن محسوبة بدقة أثناء تنفيذ المؤامرة، فعندما دب الخلاف في ليبيا بين ما سمي تحالف القوى الوطنية والعدل والمساواة النسخة الليبية من حزب العدالة الإخواني التركي، ظن البعض أن ذلك تدافع طبيعي ربما ينتج حالة استقرار بشكل ما، أما منظرو المؤامرة فلجؤوا إلى الاستعارة بأحداث الثورة الفرنسية!! لكن خلاف ناكر والمقاتلة على ترؤس المجلس العسكري طرابلس خلط الأوراق! لا للتمديد الذي قاد إلى انتخابات مجلس النواب وحرب فجر ليبيا التي أحرقت ما تبقى في الغرب الليبي، لم يكن القصد منه تطبيق شعار التداول الكاذب، بل اتضح أنه يعني استدامة السلطة لكل من يتمكن من الوصول إليها، ثبت ذلك ماراثون الصخيرات وتوابعه الذي حول المؤتمر الوطني ومجلس النواب إلى أجسام دائمة مهمتها الحفاظ على حالة الانقسام والفوضى والفساد، ثم اندلعت حرب اللواء السابع الذي تحول تلقائيًّا إلى التاسع دون المرور بالثامن! وكانت محاولة الجيش التي لم تكتمل لحسم الأمر في طرابلس رغم ما قدمه من تضحيات، ثم جاء حوار جنيف الذي مكن الأوصياء على ليبيا من شرعنة ثلاثية الفوضى والعبث والفساد!
النتيجة نمو الفقر وانهيار الخدمات وسطوة الفساد وسيطرة الفاسدين وتحكم الجاهلين والتافهين والمراهقين والمتخلفين عقليًّا وأصحاب السوابق في مفاصل الدولة، وتحول السفهاء والبلهاء إلى عِلية القوم وقيامهم بدور حكماء وأعيان مصلحين، وتولى اللصوص وتجار المخدرات والمهربون مسؤولية صون الأمن ومقاومة الجريمة وردع المجرمين وتأمين أرزاق وأعراض الناس، وسيطر المحتالون والمهربون والمافيا المحلية والدولية على إدارة الاقتصاد والاستثمار ومتابعة التنمية والإعمار والحفاظ على الأموال العامة والخاصة، والعملاء يقومون بالدفاع عن سيادة الوطن وحماية مصالح الشعب!
هذا مشهد في بعض مظاهره لكن ما خفي منه أعظم بكثير، وكونه نسخًا متطابقة، فالخروج منه لن يختلف هنا أو هناك.
السؤال هل فعلًا يوجد بعض من الغموض يجعل من الأغلبية المتضررة جمعًا مغفلًا ينتظر العسل من أنياب الأفاعي؟
