في ذكرى الاستقلال.. الأحقاد أشد من “الحتحات”..

رمضان عبد السلام
من صفحته على الفيس بوك
في نهاية الأربعينيات الماضية، كان ما فات العائق الأشد والأقسى أمام الذين التقوا حول الأمير إدريس السنوسي ليختاروه مقدماً عليهم يقودهم لإقامة ليبيا. كان ما فات كله ثارات بعثها بين الليبيين المحتلان التركي والإيطالي على مدى خمسةِ قرونٍ تقريبا لضرب بعضهم ببعض، حتى جعلا محاولات الليبيين للتحرر منهما تنتهي بتعزيز احتلالهما وليس بهزيمته.
كانت طريقة الأمير السنوسي والملك فيما بعد لا سبيل غيرها في أي ظرف انقسمت فيه أي جماعة على نفسها وتقاتلت بعد ذلك؛ فقد بعثت الآمال وبعثت دولة من العدم غير أن المخاطبين بها قد احتفظوا بما “فات” في أذهانهم كما بدا بعد ذلك ولم يكن “الحتحات” كافياً لتغطيته.. لقد ثبت أنه حتى أطنان من الخرسانة وليس شيئا من الحثى تكفي لردم ما فات.
الليبيون لا ينسون، الليبيون يدسون، الدس من الغرائز التي لا تقهرها غير الحكمة والحلم.
بعد استقلالها بثمانية عشر عاماً قامت الجمهورية في ليبيا، على ذات القاعدة تقريبا، نسيان الأحقاد ودفنها، غير أنه بعد أربعين عاماً من قيامها انبعث بين الليبيين ما كان منسياً ادعاءً. كانت الأحقاد كوريثة النار في الرماد، ما أن نفث فيها هنري برنار ليفي حتى علا سناها. شوّه الليبيون أنفسهم، وأساءوا إلى ماضيهم، لوّثوا كل رموزهم القديمة والجديدة ووظفوها في أحقادهم، نبشوا ما فات وتذكروا ما ادعوا أنهم نسوه.
لا يمكن أن يكون الذين تحلقوا حول الأمير إدريس السنوسي في واقعة الحتحات قد أخلّوا بوعدهم. لقد كانوا في مستوى نفوسهم الكبيرة دون شك وكذلك الذين كانوا حوله بعد ذلك.
في مناسبة إحياء ذكرى يوم الإجلاء في ليبيا أقيمت في راس لانوف عام 1979، استضاف الراحل المرحوم معمر القذافي قيادات المملكة الليبية في بيت المرحوم أبو بكر المقريف والد الشهيد إمحمد الذي كان حريصا على زيارته دوريا كلما انتقل بين غرب وشرق ليبيا.
بين الحاضرين كان المرحوم معمر القذافي يجول مُسلِّماً وسائلا عن حاجتهم، عندما وصل إلى المرحوم احسين مازق رئيس وزراء المملكة الليبية الأسبق سأله مخاطبا: “بالك تبي شيء يا عمي احسين”.
أجاب حالا: “هذي اللي انريدها؛ والباقي هناك وراحتك”..
حصر المرحوم احسين مازق حاجته في قدره فاكتفى بعبارة يا عمي أحسين من مخاطبه سدّاً لحاجته… أي نفس كبيرة هذه؛ وأي كريم هذا؟
في ذكرى قيام دولتهم يحتاج الليبيون إلى العفو وليس التناسي، التناسي فعل سهل، يستطيع القيام به أي كان، لكن الأصعب منه هو العفو؛ وهو أفيد إذا كان عفواً صادقاً وليس خادعاً.. عفو يترتب عليه اندماج الناس بالمصاهرة وبالمشاركة في الأعمال والأقوال وليس عفوا مبنيا على الخداع.
أخشى أن أقول إنه ليس بين الليبيين اليوم ممن بيدهم “الحل والعقد” مغالبة أو صدفة؛ حكيم أو حليم بمستوى تلك النفو الكبيرة؛ وأخشى أن أقول أيضا إن الليبيين أعداءٌ بما يكفي ليدمروا كيانا بحجم ليبيا، وقد فعلوا، وأخشى أن أقول إنه لا حل لحقد الليبيين على بعضهم إلا أن يعيدوا تقسيم بلادهم إلى أكثر من الثلاث التي كانت قائمة قبل اندماجها حتى يجتمعوا على طهارة أو يفترقوا إلى الأبد.
