مقالات الرأي

في ليبيا كل شيء مصيري مؤجل

محمد عبد القادر

أعرف أن كل الملفات في ليبيا مؤجلة، لأن الأزمة عميقة جدا، والتجاذبات شديدة جداً جداً، والمناكفات تنزلق إلى منحدر شديد الوطأة.
كل الملفات مؤجلة.. وكل المسارات معطلة، وكل الدروب مقطوعة الوصل، وكل التقاطعات لا تؤدي إلى أي دروب مقصودة أو مستهدفة.
في ليبيا قفز مجموعة من الانتهازيين و(القرقوزات) إلى واجهة الأحداث بتأييد من الأجنبي أو ارتباط مسبق به، فالغرب هو من خطط لتفكيك الدولة الليبية ضمن مشروع “الفوضى الخلاقة” لتفكيك الصومال والعراق واليمن وسوريا وقبلهم لبنان وقبل قبلهم فلسطين بغض النظر عن الأيديولوجية التي تقود كل بلد، وهذا المشروع جاء بعد دراسات قام بها الدكتور برنارد لويس وهو مستشرق بريطاني الأصل، يهودي الديانة، صهيوني الانتماء، أمريكي الجنسية. تخرج في جامعة لندن، وعمل فيها مدرساً في قسم التاريخ للدراسات الشرقية الإفريقية “ونحن إزاء مشروع خطير، التقطته القوى الكبرى في الغرب لاسيما أمريكا بكل أجهزتها الأمنية والاستخباراتية، فضلا عن الكيان الصهيوني الذي لا يمل في محاولاته لاختراق الدولة الوطنية العربية، وبالتركيز على مثلث القوة العربي العراق وسوريا ومصر، فضلا عن دول الأطراف السودان واليمن والمغرب.
ومن المفيد توضيح حقيقة مهمة هي أن مشروع برنارد لويس لتقسيم المنطقة يتقاطع مع مشروعات عديدة، ومماثلة، ربما استلهمت النموذج أو السياق العام من لويس، وربما هناك تقارب فكري بين المنظّرين الكبار، وما تنتجه مراكز دراسات ذات طبيعة عسكرية واستخباراتية، لكن المهم هنا أن فكرة تقسيم الوطن العربي تحتل مكانة مركزية في البيت الأبيض والبنتاغون، ومراكز صنع القرار الأمريكي” د. فيصل الغويين مقالة نشرت بصحيفة عمون الإلكترونية بتاريخ: 09-05-2015.
وهؤلاء الأعوان الذين جرى إعدادهم لعقود طويلة جرى استثمارهم في هذا المشروع، فهم أعوانه حسب المواصفات التي حددها، وهم يعملون على تنفيذ كل رغائبه ومخططاته مقابل ترك أيديهم تعبث بالوطن وممتلكاته، والجزء المتروك لهم كغنائم حرب دفع فاتورتها شباب افتقد الوعي الكامل وافتقد الأفق الذي يمكنهم من اختيار مسارات الوطن والخروج من عنق الزجاجة مع بعض النخب التي جرى التلاعب بأحلامها بشعارات واهية وغير محددة المقاصد أو المفاهيم ذات العمق الفكري والعملي الذي يمكن توطينه في الوطن والخروج من الأنماط التي فرضت علينا أن نستهلك الأفكار كما نستهلك الأطعمة سريعة التحضير التي لا تقدم أغذية نافعة أو مفيدة، ولا يمكن مقاومة إغرائها، فنحن نعيش بوصفات ثابتة لا تمثل خيارات نتبعها أو نختار غيرها بل مسارا مفروضا ومحددا ومعيرا وفق مصالح الغرب الذي لا يزال يصنع حياتنا كما يحب لخدمة مصالحه وفق رؤى يصنعها هو، فالفكر معلب والأكل معلب والدواء والمعايير كل شيء معلب وجاهز ودورنا أن نحفظ تفاصيله ونطبقها بدون أن نمتلك خيارات خاصة بنا وفق تجاربنا وخصوصياتنا وقيمنا ومعتقداتنا.
الغرب لا يزال يضحك علينا ونحن نتماهى مع الدور الذي حدده لنا، فالانتخابات تتبع منهجية تخلط الأوراق وتتلاعب بالمشهد جاعلة اللاعبين فيه مجرد كومبارس يؤدي أدوارا هامشية كما لعبة العرائس أو “القرقوزات”، ولذلك فقل كل الخيارات المحلية النابعة من أهل الوطن حتى مع القبول بوصفاته الثابتة لنا، وتجميد الصورة على مشهدية مرسومة لا ترغب في انتخابات حقيقية وفق السيناريو الغربي، وحتى مفرداته ومفاهيمه وشعارته فحقوق الإنسان ليس المقصود بها الإنسان بالمطلق أو الإنسان بالمعنى الآدمي في كل العالم، لكنه الإنسان بالمعنى العنصري الاستعلائي الأبيض، وليس الإنسان الإفريقي أو الآسيوي أو السكان الأصليين في أمريكا الشمالية والجنوبية.
للأسف ما زال بعض من بني جلدتنا يعتبرون الغرب نموذجا حضاريا ينبغي لنا الأخذ منه وتبني رؤاه في كل حياتنا بالرغم من أن الغرب تعرى من كل الأقنعة التي كان يلبسها، لذلك ينبغي لليبيين أن يبحثوا عن مخارج لأزمتهم وحلول وتوافقات وحوارات مباشرة خارج المسار الغربي المهيمن والمخادع الذي يدير المشهد الليبي بعبثية مقصودة لاستمرار حالة التأزم والتشظي والتوقف عن المناكفات السياسية غير المجدية التي ضيعت سنوات كان يمكن فيها استرجاع الوطن وبلسمة جراحه ولملمة شتاته وإعادة الحياة لمؤسسات الدولة السيادية.

زر الذهاب إلى الأعلى