مقالات الرأي

مخالب الجريمة المنظمة

محمد بوخروبة

تعتبر ليبيا الأكثر معاناة من تفشي الجريمة المنظمة في مؤشر المبادرة العالمية لمكافحة الجريمة المنظمة العابرة للحدود الوطنية.. ويعتبر الغرب الليبي حاضنا لهذه الجرائم نظرا لسيطرة عدد كبير من الميليشيات والعصابات المسلحة، وثمة العديد من الأسباب التي تقف وراء ذلك، في الصدارة منها هشاشة الحالة الأمنية في الغرب الليبي وعرقلة برامج الحكومات في ملاحقة العصابات الإجرامية نتيجة تنامي الارتباط بين قوى الجريمة المنظمة وهياكل الدولة.. وتورط الميليشيات في الجريمة المنظمة، بالإضافة إلى اضطرابات دول الجوار الجغرافي، وشبكات اقتصاد الظل لخلايا داعش النائمة.
عكس ما تشهده المنطقة الشرقية والجنوبية للبلاد من استتباب للأمن والنهضة العمرانية الكبيرة، بفضل الجيش الليبي القوي المنظم تحت قيادة عسكرية حكيمة واحدة.
فقد تزايدت المخاطر الناجمة عن الجريمة المنظمة خلال السنوات القليلة الماضية وخاصة في الغرب الليبي في ظل تعدد أنماطها، والتي شملت تهريب المخدرات، وتجارة السلاح، بالإضافة إلى الاتّجار بالعملة ومافيا تهريب الوقود.
ثمة العديد من الأسباب التي تقف وراء تصاعد الجريمة المنظمة في ليبيا، وهو ما يمكن بيانه على النحو التالي:
هشاشة الأجهزة الأمنية وتعدد أنماط تبعيتها، فلقد اتسمت الحالة الأمنية في ليبيا بالهشاشة، حيث تعاني الأجهزة الأمنية في الغرب الليبي من مشكلات هيكلية وتنظيمية لافتة.. فضلاً عن غياب المعلومات حول قوى الجريمة المنظمة في ظل احترافية العصابات التي تقوم بهذه الجرائم.. وتجدر الإشارة إلى أنه برغم تنوع الهياكل الأمنية التي تضم عدداً واسعاً من المنتسبين إليها، فإنها تعاني تداخلاً كبيراً بين الأجهزة الرسمية والميليشيات المسلّحة التي أصبحت رديفة لقوات الأمن، حيث تشاركه ليس فقط موارده المالية، وإنما اختصاصاتها الأمنية والعسكرية.
إذ تشير العديد من التقارير السياسية والإعلامية إلى تورّط تلك الميليشيات في جرائم كبرى تشمل تهريب العملة وتهريب الذهب، وتجارة المخدّرات والسلاح، بالإضافة إلى الاتجار بالبشر وتهريبهم، والابتزاز، وتجارة السلع المقلدة، ضمن محور طويل يشمل دولا كثيرة.
قد لا ينفصل التطور الحادث في الجريمة المنظمة داخل ليبيا عن الاضطرابات التي تشهدها دول الجوار الجغرافي.. وخاصة دول الجنوب التي تشهد نزوحا كبيرا لمواطنيها.. والهجرة غير الشرعية واعتبار ليبيا منطقة ترانزيت لدول الجنوب الأوروبي.. حيث تعاني عدد من الدول الإفريقية ودول ما يسمى بالربيع العربي من فوضى ممتدة منذ العام 2011 انعكست تداعياتها بصورة ظاهرة، وبخاصة في مجال تجارة المخدرات، بعدما تحولت ليبيا إلى مركز رئيسي لتجارة البشر.
كذلك لسنا بمنأى عن شبكات اقتصاد الظل لخلايا داعش النائمة، على الرغم من نجاحات الجيش الليبي والقوى المشتركة في محاصرة تنظيم “داعش” طوال السنوات التي خلت، والقضاء على مراكز نفوذه وخاصة في شرق البلاد، فإن الخلايا النائمة للتنظيم، وخاصة في مناطق من الغرب الليبي، لا تزال تمثل إحدى المعضلات الأمنية، كونها تعد أحد الأطراف العاملة في مجال الجريمة المنظمة، خصوصاً في مجال تهريب النفط والاتجار بالبشر.
وقد أسهم تفاقم مستويات الجريمة المنظمة في الغرب الليبي، في إحداث العديد من الارتدادات السلبية على الواقع الليبي، يتمثل أولها في تزايد الدور السياسي لشبكات الجريمة المنظمة، التي لديها ارتباطات مصلحية مع المؤسسات والهياكل السياسية للبلاد، وقد يتعزز هذا الدور في ضوء رغبة الميليشيات والأحزاب التي تملك أجنحة مسلحة في حماية مصالحها ومواردها المالية التي تجمعها من تهريب المخدرات، والاتجار بالبشر، والاستخدام غير المشروع للموارد الطبيعية، بالإضافة إلى عمليات الخطف والابتزاز التي تنامت بشكل كبير خلال الفترة الأخيرة، وأدى الترابط بين الجماعات الميليشياوية العاملة في الجريمة المنظمة والكيانات السياسية إلى تأثير كبير في الحياة السياسية، حتى تحولت إلى سمة في المشهد للغرب الليبي، وذلك من خلال قيام هذه الجماعات بالتخطيط والتفكير بدعم ورعاية وتمويل الحملات الانتخابية القادمة بعينها من أجل استغلال نفوذهم بعد ذلك لتمرير نشاطاتهم الإجرامية.
وثانيها تقييد الجهود المرتبطة بزيادة الشفافية في النظام المالي، وتعطيل عملية التحقيق والملاحقة القضائية للمتورطين في الجريمة المنظمة، وتشير بعض التقديرات المحلية إلى انتشار ظاهرة فقدان السجلات الجنائية من أرشيف وزارتي الداخلية والعدل بشكل مستمر، خاصةً ملفات الاغتيال والمفقودين والمتورطين في تجارة المخدرات والسلاح.
ختاماً، يمكن القول إن تفاقم عمليات الجريمة المنظمة في الغرب الليبي، يُنذر بمخاطر كارثية على أمن البلاد واقتصادها، ولذلك يبقى من المهم الحد من النفوذ السياسي للميليشيات، وقطع الأذرع المسلحة، بالإضافة إلى تقوية الأجهزة القضائية في مواجهة جماعات الجريمة المنظمة، كما يبقى من الضروري إعادة النظر في النهج الأمني لمكافحة الجريمة المنظمة، وذلك من خلال تطوير وتفعيل دور المؤسسات الأمنية وتوحيد أجهزتها.

زر الذهاب إلى الأعلى