مقالات الرأي

لماذا سقطت الجمهوريات العربية وبقيت غيرها؟

عبدالله الربيعي

“لو لم تفصل بيننا البرازخ لقلت لكِ: إن السؤال الوحيد الذي يؤرقني وأبحث عن إجابة له غير التي في ذهني هو: لماذا فشلت جمهوريات ما بعد سايكس بيكو ودخلت في حروب أهلية وهي كانت تنشد التقدم، ونجحت الأنظمة خصمها التي صنعها أصحاب سايكس بيكو الموصوفة بالرجعية والعمالة من تلك الجمهوريات واستقرت وتطوّرت؟
هل في كتاب البعث جواب لهذا؟
هذا جزء من حوار ساقه لنا الكاتب والأديب الأستاذ رمضان العماري مع الأخت “زبوع” العراقية من حزب البعث.
ولإيماني بالمنهج العلمي لدراسة الأحداث السياسية والتاريخية في البعد عن التبسيط أو التضخيم وعزو أسباب الظاهرة محل الدراسة إلى عامل واحد أو سبب واحد وإسقاط بقية العوامل الأخرى المختلفة حاولت الإجابة عن هذا السؤال الكبير!
وهو سؤال يداهمنا ويؤرقنا ليلا ونهارا ويطرق أبواب أفكارنا ونحن نواجه الكارثة التي حلت بجمهورياتنا الوليدة ما بعد الاستقلال!، هذه الجمهوريات جميعها التي جمعتها حقبة الاستعمار البريطاني والفرنسي ونالت الاستقلال بحروب تحريرية أو قيام حركات سياسية وعسكرية وسيطرت على زمام الأمور والسلطة في بلدانها واتخذت قرارات وإجراءات جريئة لطرد النفوذ الأجنبي وتأميم شركاته والحد من تدخلات سفرائه ومبعوثيه وضيّقت الخناق على أتباعه ومُريديه من النخب المحلية في كل من العراق وسوريا وليبيا واليمن وفي مصر عبدالناصر، والجزائر زمن حكم بن بلة وهواري وبومدين، فالجمهوريات العربية دخلت في صراع مفتوح وصريح ومباشر مع دول الغرب الاستعمارية وحاولت قيادة جبهة حركة التحرر الوطني في كل من آسيا وأفريقيا وأمريكا اللاتينية، ليس تنطعا أو اختيارا بل اضطرارا للدفاع عن النفس في مواجهة خصم منتصر في الحرب العالمية الثانية ويرى أن العالم يجب أن تكون حديقته الخلفية ومناطق نفوذ له، ويحصل على مواد خام أولية معدنية وزراعية رخيصة أو بدون ثمن ليضمن حياة متفوقة ورفاهية لشعوبه “المليار الذهبي”، ليضمن استمرار رفاهيته وتفوقه المادي على حياة شعوب العالم الثالث بمئات المرات، وهذا ما يمكن أن يلاحظه الدارس والمتابع للفروق الواضحة في التفاوت الرهيب في مظاهر الحياة ومستويات المعيشة وما يقدم من خدمات اجتماعية في الصحة والتعليم ووسائل الترفيه وتطور وسائل النقل والاتصالات مقارنة بين شعوب الدول الغربية المتقدمة وما يسمى بالعالم الثالث أو النامي!
إضافة إلى أن الجمهوريات العربية الوليدة ورثت تناقضات اجتماعية وثقافية، ولم يحسم فيها الصراع على السلطة ولا الكيفية العادلة لتوزيع الثروات وضعف المستوى العلمي والوعي بالمشكلات، الأمر الذي أدى إلى فشل مراحل الانتقال والتحول وَضعف معدلات التنمية، بل فشلها تحت عوامل عديدة منها التخلف وأيضا الضغوط والحصار الاقتصادي والعلمي الذي فرضته الدول الغربية الاستعمارية على بلداننا التي سقطت فيما بعد في أتون الحروب الأهلية من جراء الحرب المباشرة التي قادتها دول الغرب أو من خلال الوكلاء الإقليميين والمحليين مستغلين حالة عدم التوازن الداخلي وغياب الشرعية للأنظمة السياسية الجمهورية التي تآكلت نتيجة للفشل الداخلي من جانب (الصراعات الحزبية والقبلية والطائفية والمناطقية)، وللضغوط الخارجية من جانب آخر التي اتخذت أشكالا متعددة من الحصار السياسي والدبلوماسي والاقتصادي إلى الترهيب بالأساطيل والمناورات العسكرية إلى شن الحرب المباشرة، إضافة إلى عامل دولي مهم ومؤثر استغلته الدول المعادية للجمهوريات العربية وهو سقوط الاتحاد السوفيتي الحليف السياسي والعسكري للجمهوريات العربية والمزود الرئيس لها بالسلاح والدعم السياسي من خلال مجلس الأمن والمنظمات الدولية والإقليمية المختلفة، ومناخ التوازن الدولي الذي كان يمنع استخدام القوة الغاشمة للسيطرة على أراضي وموارد الغير خلال ستينيات وسبعينيات وحتى ثمانينيات القرن العشرين، هذه العوامل مجتمعة أدت إلى سقوط الجمهوريات العربية التي نهشتها الحروب الأهلية وعاشت حالة عدم الاستقرار والتوتر، ولم تتعرض لها الأنظمة الملكية والرجعية الحليفة للغرب رغم تشابه الأوضاع الداخلية من حيث الصراعات والتخلف الاجتماعي والعلمي لانتفاء دور العامل الخارجي واستغلاله لتلك العوامل لزعزعة الاستقرار وتعطيل البناء والتنمية، والذي كان مختلفا لما واجهته الجمهوريات التي فرض عليها حالة الضغط والتوتر، وإيقاف عجلة البناء والتنمية وحتى التفكير في المستقبل ومواجهة المشكلات والتحديات بعقلية مستقرة وغير متوترة

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى