مقالات الرأي

حين يتعطل التعليم لا تتوقف المدارس وإنما يتعطل مستقبل وطن

بقلم/ د.علي المبروك أبوقرين
المدرسة ليست مجرد مبنى تفتح أبوابه في الصباح وتغلقها عند انتهاء الدوام، وليس التعليم ساعات تقضيها الأجيال على مقاعد الدراسة، أو مقررات تحفظ وامتحانات تجتاز وشهادات تمنح. التعليم هو الزمن الذي تنمو فيه العقول وتتكون فيه الشخصية وتتسع فيه المدارك، وتتشكل فيه القيم والقدرة على التفكير والعمل والإنتاج والمشاركة في بناء المجتمع. ولذلك فإن تعطيله ليس إجراء إداريا عابرا ولا خلافا وظيفيا محدود الأثر وإنما انقطاع في مسار تكوين الإنسان، وتعريض لمستقبل الأجيال لخسائر قد تمتد آثارها سنوات طويلة. ولعل ذاكرتنا الوطنية تحمل شواهد لا ينبغي أن ننساها ونحن نتحدث عن التعليم وحقوق المعلمين ومسؤولية الدولة. فقد عشنا زمنا كان فيه الفقر هو القاعدة، وكانت المدارس قليلة ومتباعدة، والمعلمون أندر من أن يغطوا احتياجات القرى والبلدات، وكانت الإمكانات شديدة التواضع، حتى إن المعلم الواحد كان يتولى تدريس معظم المواد، ويستعان بكل من امتلك قدرا من المعرفة والقدرة على القراءة والكتابة، مهما كان مستواه التعليمي، لسد الفراغ الكبير في المدارس. وكانت أجور المعلمين بضعة جنيهات لا تكاد تسد الرمق، ومع ذلك كانوا يقطعون المسافات الطويلة مشيا على الأقدام أو ظهور الدواب، ثم ظهرت الدراجات بوصفها وسيلة أفضل لمن استطاع إليها سبيلا. وكانوا يخرجون في عتمة الفجر، في برد الشتاء القارس وأمطاره، ليصلوا إلى مدارسهم قبل وصول التلاميذ، وكأنهم كانوا يدركون بالفطرة أن بناء الإنسان لا ينتظر تحسن الظروف. ثم بدأت الأحوال تتغير تدريجيا، واتسعت رقعة المدارس، وازداد عدد التلاميذ، واستقدمت البلاد المعلمين من مصر، وتوسعت معاهد إعداد المعلمين، وظهرت كلية المعلمين العليا، التي بدأت بأعداد محدودة للغاية، حتى إن دفعتها الأولى لم تتجاوز ثلاثة طلاب، ثم تحولت مع الزمن إلى مؤسسات أخرجت آلاف المعلمين والمعلمات من خريجي المعاهد المتخصصة والجامعات. لقد كانت تلك رحلة انتقال من الندرة إلى الوفرة، ومن العجز عن توفير الحد الأدنى من التعليم إلى بناء مؤسسات تعليمية وإعداد أجيال من الكوادر الوطنية. ومهما اختلفت الظروف والأزمنة، ظلت للمعلم مكانته الاجتماعية والإنسانية، وكان ينظر إليه باعتباره صاحب رسالة وحامل أمانة، وشريكا في صناعة مستقبل الأسرة والمجتمع والوطن. لم تكن مكانته مستمدة من راتبه أو امتيازاته، وإنما من قيمة ما يقدمه، ومن أثره في حياة أجيال كاملة. وهذه المكانة لا تعني أن المعلم مطالب بالتضحية الدائمة أو القبول بالفقر والإهمال، وإنما تعني أن المجتمع والدولة مطالبان بصون كرامته، وتأمين حياة مهنية واقتصادية تليق برسالته، وتوفير البيئة التي تمكنه من أداء واجبه بكفاءة وطمأنينة. لقد مرت بلادنا كما مرت شعوب كثيرة، بظروف استثنائية تعطلت فيها الدراسة أياما أو أسابيع أو أشهرا، بفعل الحروب والاضطرابات والأوبئة والفيضانات والعواصف والتغيرات المناخية. لكن المجتمعات التي تدرك قيمة التعليم لا تتعامل مع هذه الظروف باعتبارها مبررا للتخلي عنه، وإنما باعتبارها اختبارا لقدرة الدولة ومؤسساتها على حماية استمرارية التعلم، وإيجاد البدائل، وتكييف البرامج والجداول والمناهج، وتعبئة الإمكانات المتاحة حتى لا يتحول الظرف الطارئ إلى انقطاع طويل في حياة التلاميذ والطلاب. إن أخطر ما في تعطيل التعليم أنه لا يصيب التحصيل العلمي وحده. فالطفل الذي ينقطع عن مدرسته يفقد جزءا من انتظام حياته اليومية، ويبتعد عن بيئة تربوية واجتماعية تسهم في بناء شخصيته، وقد يتعرض للقلق والملل والعزلة وفقدان الدافعية، ويصبح أكثر عرضة للاستغراق في الاستخدام غير المنضبط للأجهزة والشاشات، أو الانجراف إلى سلوكيات لا تتناسب مع عمره ومرحلة نموه. كما أن المدرسة توفر للأطفال مساحة للتفاعل الاجتماعي، وتعلم الانضباط والتعاون واحترام الآخرين، وتكشف مبكرا عن صعوبات التعلم وبعض المشكلات النفسية والسلوكية، وتتيح في حالات كثيرة ملاحظة الإهمال والعنف والمخاطر التي قد لا تظهر خارجها. أما صحيا فإن الانقطاع الطويل يربك النشاط البدني والنوم والتغذية والروتين اليومي، ويقلل الحركة والتفاعل الاجتماعي، وقد يفاقم القلق والضغوط النفسية، خصوصا لدى الأطفال والمراهقين الذين يحتاجون إلى الاستقرار والانتظام والشعور بالأمان. ولا ينبغي إغفال أن المدرسة في مجتمعات كثيرة تمثل أيضا نقطة اتصال مهمة بالخدمات الصحية والتطعيمات والتوعية والتغذية المدرسية والكشف المبكر عن المشكلات الصحية. وتتضاعف الآثار حين يتعلق الأمر بالأسر محدودة الدخل التي لا تستطيع توفير بدائل تعليمية أو دروس خصوصية أو أجهزة واتصال بالإنترنت لكل أبنائها. وهنا يصبح تعطيل التعليم سببا إضافيا لتوسيع الفجوة الاجتماعية، لأن أبناء الأسر الميسورة يستطيعون مواصلة التعلم بوسائل بديلة، بينما يخسر أبناء الأسر الفقيرة وقتهم وفرصهم، فتتحول أزمة مؤقتة إلى تفاوت طويل الأمد في المعرفة والمهارات والفرص. واقتصاديا لا يمكن النظر إلى الوقت التعليمي الضائع باعتباره ساعات يمكن استعادتها ببساطة. فضعف التحصيل وتراجع المهارات الأساسية، ولا سيما القراءة والكتابة والرياضيات والعلوم، ينعكس لاحقا على جودة التعليم الجامعي والتدريب المهني والإنتاجية وسوق العمل. وقد تظهر النتائج بعد سنوات في صورة نقص في الكفاءات، وضعف في المهارات، واتساع الاعتماد على الخبرات المستوردة، وارتفاع تكلفة معالجة فجوات تعليمية كان بالإمكان تجنبها في مراحلها الأولى. إن ما تخسره الدولة اليوم من تعليم قد تدفع أضعافه غدا في صورة تنمية متعثرة وفقر معرفي وتراجع في القدرة التنافسية. لقد تغير العالم ولم تعد المحافظة على استمرارية التعليم مرتبطة حصرا بوجود التلاميذ داخل المباني المدرسية. فقد أصبحت التقنيات الرقمية والمنصات التعليمية والفصول الافتراضية والمكتبات الإلكترونية والموارد المعرفية المفتوحة أدوات متاحة يمكن توظيفها في حالات التعطل، إلى جانب التعليم المدمج والبرامج التعويضية والجداول المرنة. ولا يعني ذلك أن التعليم الرقمي بديل كامل عن المدرسة والمعلم والتفاعل الإنساني، ولا أن جميع الأسر تمتلك الأجهزة والاتصال والقدرات التقنية نفسها وإنما يعني أن امتلاك الدولة لخطة بديلة أصبح ضرورة، وأن غياب البدائل لم يعد مقبولا في زمن تتوافر فيه وسائل متعددة لاستمرار التعلم. ومن المهم أن نفهم أن حقوق المعلمين والمعلمات ليست قضية هامشية، وأن الأجور العادلة والمزايا والتدريب والتقدير المهني والاستقرار الوظيفي شروط أساسية لجودة التعليم. ولحل المشكلات المرتبطة بهذه الحقوق مسارات مالية وإدارية وتشريعية وتفاوضية متعددة، تتطلب الشفافية والموازنة العادلة والحوار المسؤول، ومشاركة الجهات المعنية في الوصول إلى حلول قابلة للتنفيذ. لكن لا يجوز أن يصبح مستقبل ملايين التلاميذ والطلاب رهينة لتعثر هذه المسارات، كما لا يجوز تحميل المعلم وحده نتائج إخفاق السياسات التعليمية والمالية والإدارية. إن المسؤولية هنا مشتركة تبدأ من الدولة وأجهزتها التشريعية والتنفيذية والرقابية، وتمتد إلى وزارات التعليم والمالية والتخطيط، وإدارات المؤسسات التعليمية، والنقابات والروابط المهنية، والمعلمين وأولياء الأمور والمجتمع. وكل جهة مطالبة بأداء دورها، لا بتبادل الاتهامات أو نقل المسؤولية إلى الآخرين. المطلوب نظام يضمن استمرارية التعليم في الظروف العادية والاستثنائية، وخطط معلنة للتعامل مع الإضرابات والأزمات والكوارث، وقياس الفاقد التعليمي وتعويضه، وتوفير الحد الأدنى من البنية الرقمية، وحماية الفئات الأكثر هشاشة من الانقطاع والإقصاء. لقد خرجت أجيال سابقة من رحم الفقر وقلة المدارس وشح المعلمين، ولم تسمح لتلك الظروف بأن تلغي إيمانها بالتعليم. واليوم وبعد أن امتلكت بلادنا موارد وإمكانات ومؤسسات وخبرات لم تكن متاحة لتلك الأجيال، يصبح من المؤلم أن نسمح بتعطيل مسيرة التعليم أو التفريط في زمن أبنائنا. إن المعلم يستحق الإنصاف والكرامة والحياة اللائقة، والطالب يستحق حقه في التعلم، والأسرة تستحق الاطمئنان إلى مستقبل أبنائها، والدولة ملزمة بحماية هذه الحقوق جميعا. لا ينبغي أن يكون أحدها ثمنا للآخر. إن التعليم ليس خدمة يمكن تعليقها كلما تعثرت الإدارة، ولا حقا مؤجلا حتى تتفق الأطراف، ولا موسما يبدأ وينتهي وفق الظروف. إنه التزام وطني مستمر، وأمانة لا تقبل الانقطاع. فالمدرسة التي تغلق أبوابها لا يتوقف خلفها درس وإنما يتوقف جزء من حياة جيل، والزمن الذي يضيع من طفولة الإنسان لا تعيده قرارات متأخرة ولا تعوضه ميزانيات لاحقة. لقد احتاجت أجيالنا إلى عقود كي تنتقل من مدرسة نادرة ومعلم شحيح إلى مؤسسات تعليمية وجامعات وآلاف الخريجين. وليس من حقنا أن نبدد ما تحقق، أو أن نعيد أبناءنا إلى دائرة الحرمان التي خرج منها آباؤهم وأجدادهم. حماية التعليم في كل الظروف ليست فضيلة إدارية، وإنما واجب أخلاقي ووطني، ومن يمس مستقبل الأجيال يمس مستقبل الوطن كله.

زر الذهاب إلى الأعلى