طريق مصر – ليبيا – تشاد.. لمصلحة من نرفض هذا المشروع؟

بقلم/ فراس الحجازي
ما إن أعلن وزير النقل المصري كامل الوزير عن مشروع الطريق البري الذي يربط شرق العوينات في مصر بمدينة الكفرة الليبية، وصولًا إلى تشاد والكاميرون، حتى اشتعلت مواقع التواصل الاجتماعي في ليبيا غضبًا.
خرجت أصوات كثيرة تتهم مصر بأنها تضرب المصالح الليبية في مقتل، وتجهض مشروعًا ليبيًا استراتيجيًا كان يُخطط له منذ عقود، وهو مشروع ربط سرت – تشاد – النيجر، المعروف بـ S.S.S.
كانت الاتهامات ثقيلة، ومنها أن مصر تريد تحويل الأراضي الليبية إلى مجرد ممر لمشاريعها الخارجية، وأنها تريد تهميش الموانئ الليبية الاستراتيجية، سرت ومصراتة، لصالح ميناء برنيس المصري، وأن إعلان القاهرة عن جزء من الطريق يمر داخل ليبيا، دون تنسيق واضح ومعلن، يمثل مساسًا بالسيادة الليبية، وتحويلًا لمسارات التجارة الإقليمية نحو مصر على حساب ليبيا.
وللوهلة الأولى، يبدو هذا الغضب منطقيًا. فأي دولة ترى جارتها تبني طريقًا يمر عبر أراضيها دون أن تكون هي صاحبة القرار، ستشعر بالتهديد.
ولكن.. هل هذا الغضب مبني على اقتصاد حقيقي، أم على فهم خاطئ للجغرافيا والسيادة؟
الحقيقة التي غابت عن كثير من الغاضبين أن مصر لا تبني مترًا واحدًا داخل ليبيا. فالمشروع مقسم إلى ثلاثة قطاعات واضحة:
القطاع الأول: داخل الأراضي المصرية، من شرق العوينات حتى منفذ الكفرة، بطول حوالي 400 كم، وهو القطاع الذي تنفذه الشركات المصرية الآن.
القطاع الثاني: داخل الأراضي الليبية، من الكفرة حتى الحدود التشادية، بطول حوالي 390 كم، وهو قطاع ليبي خالص، وليبيا هي صاحبة القرار فيه.
القطاع الثالث: داخل تشاد، من الحدود الليبية حتى مدينة إبشا.
فمصر تبني الجزء الخاص بها، وليبيا تبني الجزء الخاص بها. فأين المساس بالسيادة هنا؟
ثانيًا: كان هناك تنسيق ومذكرة تفاهم منذ البداية. فالمشروع لم يأتِ من فراغ، ولم يُفرض على ليبيا. ففي فبراير 2025، تم توقيع مذكرة تفاهم بين شركة المقاولون العرب والحكومة الليبية، للبدء في أعمال الدراسات المساحية والبيئية والتصميم المبدئي للطريق الرابط بين الكفرة والحدود التشادية.
وتم توقيع مذكرة مماثلة مع الحكومة التشادية للقطاع الثالث. أي إن هناك تنسيقًا مبدئيًا معلنًا وموثقًا بين الدول الثلاث. فالمشكلة الحقيقية لم تكن في المشروع نفسه، بل في طريقة الإعلان عنه في الإعلام المصري، الذي تحدث عنه وكأنه مشروع مصري خالص، دون أن يوضح الدور الليبي والتشادي، مما أوحى للبعض بأن مصر تتجاوز السيادة الليبية، وهذا غير صحيح.
ثالثًا: المنافسة المزعومة بين الخطين وهم. فلو نظرنا إلى الموضوع من جانب اقتصادي بحت، نجد أن:
الطريق يخدم كل البلدان التي يمر بها، سواء كان الشحن إلى الميناء المصري أو الكاميروني، أي إنه يوفر فرصًا للتصدير والاستيراد للجميع.
الميناء المصري على البحر الأحمر، وهو ممر لسفن الشحن المتجهة من آسيا إلى أوروبا والعكس. وهذا يعني أن الطريق سيخدم البضائع الآسيوية والمصرية التي تُشحن إلى الدول التي يمر بها الخط، والعكس: تصدير المواد الخام التي تنتجها دول الخط إلى مصر وآسيا.
أما خط سرت – النيجر، فيربط بين البحر المتوسط والدول التي يمر بها هذا الخط، وهذا يعني أنه يخدم السفن القادمة من أوروبا وتركيا وليبيا، لكنه في الأساس خط للاستيراد من أوروبا وتركيا، ولتصدير المواد الخام والصناعات الإفريقية إلى أوروبا وتركيا.
وعليه، فإن السوق التي يخدمها الخط المصري تختلف جدًا عن السوق التي يخدمها الخط الليبي. وبالعكس، ليبيا مستفيدة من الخط المصري باعتبارها بلد عبور، حيث إن خط التجارة هذا سيوفر تنمية على امتداده تستفيد منها ليبيا: رسوم عبور، ومحطات بنزين، واستراحات، ومخازن… إلخ، بالإضافة إلى خط سرت.
ببساطة: برنيس على البحر الأحمر يخدم آسيا، وسرت على البحر المتوسط تخدم أوروبا. تشاد، عندما تريد بضاعة آسيوية رخيصة، ستتجه إلى برنيس، وعندما تريد بضاعة أوروبية، ستتجه إلى سرت. لا أحد يلغي الآخر.
بل إن ليبيا، لو ربطت الكفرة بأجدابيا وسرت، ستصبح هي عقدة الربط بين الخطين، وتكسب رسوم عبور من الاثنين، وتحقق تنمية في الكفرة والجنوب كله. فأين التهديد؟
إذا كان التهديد الاقتصادي غير موجود، وإذا كان التهديد للسيادة غير موجود لأن كل دولة تبني جزأها، وإذا كانت هناك مذكرة تفاهم وتنسيق مبدئي، يبقى السؤال الأهم:
لماذا نرفض مشروعًا يخدم ليبيا كبلد عبور، ويجلب التنمية للكفرة والجنوب؟
هل الرفض فعلًا خوف على السيادة؟ أم أنه خدمة لمصلحة قوة خارجية؟
المستفيدون كثر، أولهم الإمارات، التي لا تريد لميناء برنيس المصري أن ينافس موانئها.
هناك أيضًا فرنسا وأوروبا، التي تريد أن يبقى طريق المتوسط هو الوحيد؛ لأنه يخدم بضائعها ولا يخدم البضائع الآسيوية، والمقصود هنا البضائع الصينية.
هل هو ضغط لصالح قوى موجودة في الجنوب، لا تريد أي طريق رسمي تحت إشراف الدول؛ لأنه سيقطع عليها طرق التهريب والنفوذ؟
المصلحة الوطنية فوق الشعارات. ومن يرفض مشروع تنمية دون أن يبني بديله، لا يحمي السيادة، بل يترك أرضه فراغًا يملؤه الآخرون.
