كانت الصحة رسالة والتعليم بناءً للإنسان، فكيف أصبح الحق سوقًا؟

د.علي المبروك أبوقرين
لم تكن الصحة والتعليم في الحضارة الإنسانية يومًا مجرد خدمات تُشترى وتُباع، وإنما كانا من أسمى تجليات الضمير الإنساني، ومن أعظم مسؤوليات الدولة والمجتمع، ومن أهم الشروط التي تحفظ كرامة الإنسان وتصون مستقبل الأمم.
وقد شهد التاريخ نماذج حضارية جعلت من رعاية المريض وتعليم الإنسان رسالة أخلاقية ومسؤولية عامة، وأدركت أن قيمة الطب في حماية الحياة واستعادة العافية، وأن قيمة التعليم في بناء العقل والمعرفة والكفاءة وليس في حجم الأرباح المتحققة منهما. وفي الحضارة الإسلامية تجسدت هذه القيم في البيمارستانات والمدارس ومؤسسات العلم التي مولتها الأوقاف وغيرها من موارد الرعاية العامة. فلم يقتصر الأمر على تقديم العلاج وإتاحة التعلم مجانًا وإنما امتد في نماذج تاريخية إلى توفير الدواء والغذاء والإقامة وسائر احتياجات المريض مع تخصيص مبالغ لبعض المرضى عند التعافي تعينهم خلال النقاهة والعودة إلى حياتهم. وكذلك حظي طلاب العلم في مؤسسات عديدة بالسكن والطعام والكتب وأدوات الدراسة والمنح التي تساعدهم على المعيشة والتفرغ للتحصيل.
لقد كان الإنسان يتلقى الرعاية ويجد ما يعينه على التعافي والتعلم دون أن تتحول حاجته إلى وسيلة لاستنزاف موارده أو إذلاله. وعلى الرغم من تفاوت هذه الممارسات بين العصور والمؤسسات فإنها تكشف عن تقليد حضاري عريق في تمويل الصحة والتعليم باعتبارهما منفعة عامة ورسالة إنسانية.
ومن المهم أن نتأمل دلالة ذلك التاريخ فحين تُصان كرامة المريض وتُستكمل احتياجاته لا يكون العلاج مجرد إجراء طبي وإنما تصبح الرعاية طريقًا إلى العافية. وحين يُمنح الطالب العلم وأدواته وسبل معيشته لا يكون التعليم مجرد مقعد دراسي وإنما يصبح بناءً حقيقيًا للمعرفة والكفاءة والقدرة على الإبداع. لذلك لا تُقيم قوة المنظومات الصحية والتعليمية بما تنفقه وإنما بما تصنعه من صحة وعافية وما تنتجه من معرفة راسخة وكفاءات حقيقية وما تحققه من عدالة في الفرص والنتائج. أما التحول نحو إخضاع الصحة والتعليم لمنطق السوق فقد ارتبط في العقود الأخيرة بتصاعد السياسات النيوليبرالية التي توسعت في الخصخصة وتحرير الأسواق وتقليص بعض أدوار الدولة الاجتماعية مع تفاوت تطبيقاتها بين البلدان. وليس صحيحًا أن هذا التحول شمل العالم كله، أو أن كل اقتصاد سوقي يقتضي بالضرورة تسليع الحقوق الأساسية. لكن الإشكال يظهر حين تتحول هذه السياسات إلى عقيدة تُقدم بوصفها طريقًا وحيدًا للإصلاح وحين تتبناها حكومات تحت ضغط التبعية الاقتصادية أو الإملاءات الخارجية دون مراعاة لثرواتها وظروفها الاجتماعية ومسؤولياتها الوطنية. وهنا تبرز ليبيا بوصفها حالة تستحق مراجعة عميقة. فكيف تسمح دولة غنية بمواردها الطبيعية وذات اقتصاد ريعي بأن تصبح صحة مواطنيها ومعرفتهم عرضة لمنطق التجارة، بينما تستطيع توجيه ثروتها العامة نحو بناء منظومتين وطنيتين تكفلان العلاج والتعليم الجيدين للجميع وأي قيمة للثروة إن لم تتحول إلى دواء متاح ومستشفى آمن ومدرسة قوية وجامعة تنتج العلم والكفاءة ومستقبل لا تحدده قدرة الأسرة على الدفع. إن الصحة والتعليم ليسا عبئًا على الدولة وإنما من أهم استثماراتها السيادية في الإنسان، ولا ينبغي أن يكونا مجالًا للارتزاق أو وسيلة لتوسيع الفوارق الطبقية. والمطلوب ليس استعادة صور الماضي حرفيًا وإنما استعادة روحه الأخلاقية، وبناء مؤسسات عصرية عالية الجودة ممولة تمويلًا عامًا مستدامًا، ومدارة بالكفاءة والشفافية والمساءلة، بحيث تكون الحاجة الطبية والحق في التعلم أساس الانتفاع وليس القدرة المالية. إن الإصلاح الذي تحتاجه ليبيا يبدأ بإيقاف تسليع الحقوق الأساسية وإغلاق منافذ استغلال المرضى والمتعلمين، ومراجعة السياسات التي تجعل الإنفاق على الإنسان فرصة للربح بدلًا من أن يكون مسؤولية وطنية، وتعجيل تحقيق العدالة الاجتماعية. فحين تُترك صحة الناس للسوق يتسع الحرمان من العلاج، وحين يُترك التعليم للقدرة الشرائية تتوارث الأجيال تفاوت الفرص، وتتحول الخسارة إلى تراجع في العافية والمعرفة والاستقرار ومستقبل الوطن. **وعليه فإن الواجب الوطني والتاريخي يفرض على ليبيا أن تحسم أمرها بلا تردد ولا لتسليع الصحة والتعليم ولا لإقامة النشاط التجاري على حساب حقوق الأمة ولا لقبول الحجج والذرائع التي تجعل العلاج والمعرفة مجالًا للربح أو تجعل قدرة الإنسان على الدفع شرطًا للحصول على حقه. إن الصحة والتعليم ليسا سوقين مفتوحتين للمساومة وإنما حقان أصيلان للأمة ومسؤولية سيادية لا يجوز للدولة التنصل من جوهرها. والمطلوب ليس الاكتفاء بإعلان مجانية العلاج والتعليم وإنما بناء منظومة صحية وطنية على أعلى المستويات بأحدث التجهيزات والتقنيات، وأرقى معايير الجودة والسلامة، وأكمل الخدمات الوقائية والتشخيصية والعلاجية والتأهيلية، بما يواكب العصر ويستجيب لمتطلباته العلمية والإنسانية المتجددة.** **وفي التعليم لا يكفي أن تفتح الدولة أبواب الجامعات مجانًا وإنما يجب أن تتحمل مسؤوليتها كاملة عن إنشاء جامعات حديثة رفيعة المستوى، وتوفير السكن الجامعي والمنح الدراسية والمعيشية لطلاب الجامعات والدراسات العليا، وضمان تكافؤ الفرص في التفوق والتحصيل والبحث العلمي. كما يجب أن يستمر الابتعاث المنظم إلى أعرق الجامعات والمراكز العلمية العالمية للتخصص والتأهيل والبحث والابتكار، وأن تُبنى شراكات علمية مستدامة مع المؤسسات الصحية والتعليمية العالمية على أساس المعرفة وتبادل الخبرات والتقدم العلمي، بعيدًا عن استنزاف الثروة الوطنية بالمصالح التجارية.** **إن المطلوب قرار وطني عاجل يعيد الصحة والتعليم إلى مكانهما الطبيعي في صميم مسؤوليات الدولة وحقوق الأمة؛ فلا تُترك صحة الليبيين للأسواق، ولا تُرهن عقول أجيالهم للقدرة على الدفع، ولا تُهدر ثروة البلاد في منظومات تُراكم الأرباح بينما يعجز الإنسان عن الحصول على حقه. أوقفوا تسليع الصحة والتعليم، وأغلقوا أبواب الاتجار بالمرض والمعرفة والشهادات، وسخّروا ثروة الوطن لبناء الإنسان، وأقيموا منظومتين عامتين تضاهيان أرقى ما أنجزته البشرية علمًا وجودة وكفاءة. لا نريد مجانية الفقر والتردي وإنما نريد مجانية الحق مقرونة بامتياز الجودة وسيادة المعرفة وكرامة الإنسان.** **فليبيا لا ينقصها أن تتاجر بحقوق أبنائها وإنما أن تبني لهم دولة تليق بثروتها وتاريخها وطموح أجيالها. إن الثروة التي لا تصنع صحة وعافية، ولا تبني علمًا وكفاءة، ولا تحمي كرامة الإنسان، تكون قد أُهدرت غايتها، وإن الدولة التي تستطيع تحقيق ذلك ثم تتقاعس عنه تُضيّع أمانة الحاضر وتفرط في فرص المستقبل. الصحة حق لا يُباع والتعليم حق لا يُساوم عليه، وكرامة الإنسان خط أحمر لا تعلو عليه أرباح الأسواق. فلتكن هذه هي القاعدة الحاكمة والقرار الوطني الملزم والعهد الذي تترجمه السياسات والموازنات والمؤسسات إلى واقع لا رجعة عنه.**
