المجاعة تطرق أبوابنا

بقلم /د. مصطفى الزائدي
لم يكن الأمن الغذائي في ليبيا مجرد قضية اقتصادية أو مسألة تتعلق بتوفير السلع الأساسية في الأسواق، بل ظل عبر تاريخ البلاد قضية ترتبط بالسيادة الوطنية والاستقرار الاجتماعي وقدرة الدولة على حماية مواطنيها من الجوع والحاجة، وما تشهده ليبيا اليوم من ارتفاع جنوني مطرد في أسعار الغذاء واضطراب منظومة توفيره واحتكاره من قبل حفنة من السماسرة، يفرض طرح هذا الملف باعتباره أحد أبرز التحديات التي تواجه ليبيا وتهدد أمنها الوطني والسلم الاجتماعي.
لقد شهدت ليبيا خلال النصف الأول من القرن العشرين أزمات غذائية حادة ومجاعات قاسية، ارتبطت بالسياسات الاستعمارية الإيطالية التي استولت على مساحات واسعة من الأراضي الزراعية ووطنت بها إيطاليين وأبعدت الليبيين عن المناطق الصالحة للعيش والإنتاج، فضلًا عن آثار الحروب وسياسات القمع والتهجير التي مارسها المستعمر، وقد تركت تلك المرحلة جراحًا عميقة في الذاكرة الوطنية، وأكدت أن حرمان الشعوب من أرضها ومصادر رزقها يمكن أن يتحول إلى أداة للسيطرة والإخضاع.
وبعد الاستقلال المنقوص لم ينجح العهد الملكي، في بناء منظومة متكاملة تحقق الأمن الغذائي وتضمن وصول السلع الأساسية إلى جميع المواطنين بأسعار مناسبة، وظلت البلاد تعتمد بدرجة كبيرة على الاستيراد، دون أن تتبلور سياسة وطنية شاملة تضمن العدالة في توزيع الغذاء وتحد من التفاوت بين المناطق، وتؤسس لقاعدة إنتاجية قادرة على تقليص التبعية للأسواق الخارجية.
ثورة الفاتح من سبتمبر عام 1969 وضعت في مقدمة أهدافها توفير الغذاء الجيد لكل المواطنين بأسعار مناسبة، وضمان وصوله إلى مختلف مناطق البلاد، وفي عام 1971، أُنشئت مؤسسة السلع التموينية لتتولى توفير السلع الأساسية وتوزيعها، بما أسهم في توحيد آليات توريدها وإيصالها إلى المدن والمناطق البعيدة.
وكان من أبرز ملامح تلك السياسة السعي إلى إلغاء الفوارق السعرية بين المناطق المتباعدة، فكانت متساوية في طرابلس وطبرق والقطرون وغيرها من المناطق، إلى جانب دعم المواد الأساسية، وفي مقدمتها الخبز، الذي يمثل الغذاء الرئيسي لشريحة واسعة من الليبيين، ولقد بلغت قيمة الدعم منذ 1971 إلى 2010 مليار دولار، وهو رقم زهيد بالمقارنة بعوائده الاجتماعية، كما تبنت الدولة خطة إنتاجية كبيرة للغذاء زراعة وتصنيعًا، فتم الاكتفاء من اللحوم والدواجن والبيض والخضروات، وتم توفير حجم كبير من القمح والألبان ومشتقاتها.
بعد عام 2011، تعرضت منظومة توفير السلع الأساسية لاختلالات كبيرة فتوقف بشكل شبه كلي إنتاج الغذاء لعوامل عديدة، وصارت الخضروات واللحوم والدواجن تستورد بأحجام متزايدة، وتوقف دور مؤسسة السلع التموينية والجمعيات الاستهلاكية، وتولى حفنة من التجار والسماسرة استيراد الغذاء وتوزيعه، بأسعار باهظة، بدون تخطيط ولا مواصفات، استغلوا في ذلك الانقسام المؤسسي وضعف الرقابة واضطراب السياسات الاقتصادية، الأمر الذي أفسح المجال للاحتكار والتلاعب بالأسعار، وأثار تساؤلات جدية حول جودة بعض المنتجات ومطابقتها للمواصفات.
انعكست هذه الاختلالات بصورة مباشرة على غذاء المواطنين، مع تراجع القدرة الشرائية وارتفاع تكلفته، حتى بات الحصول على الاحتياجات الأساسية عبئًا متزايدًا على الأسر محدودة الدخل.
ولم يعد الأمر مقتصرًا على غلاء الأسعار، بل امتد إلى مخاطر الاعتماد المفرط على الخارج، وتقلبات الأسواق الدولية، واضطراب سلاسل الإمداد، وضعف الإنتاج الزراعي المحلي.
إن مواجهة هذه المخاطر تتطلب تحركًا جادًّا من النخب الوطنية والمؤسسات المعنية بالأمن القومي والاقتصاد، لوضع استراتيجية شاملة تعيد تنظيم استيراد السلع الأساسية، وتمنع الاحتكار، وتضمن الجودة والأسعار العادلة، وتدعم الزراعة والإنتاج المحلي، وتعيد بناء منظومة توزيع فعالة تصل إلى جميع الليبيين.
فالدولة التي لا تضمن لمواطنيها غذاءً كافيًا وآمنًا وبأسعار مناسبة تظل عرضة للاضطرابات والفوضى الاقتصادية، إن الحرية والسيادة لا تنفصلان عن الكرامة المعيشية، ولا يمكن الحديث عن استقلال القرار الوطني بينما يظل رغيف الخبز واحتياجات الأسرة اليومية مصدر قلق دائم.
لقد أصبح الأمن الغذائي في ليبيا قضية تستحق أن تتقدم أولويات العمل الوطني، فالليبيون الذين يواجهون أعباء المعيشة المتزايدة يحتاجون إلى ضمان لقمة العيش بقدر حاجتهم إلى الحرية والسيادة، فلا معنى لسيادة لا تحمي المواطن من الجوع، ولا لاستقلال لا يضمن له حياة كريمة.
