ملفات وتقارير

المنفيون الليبيون.. ذاكرة وطن في مواجهة إرث الاستعمار


تقرير/ عفاف الفرجاني

في ثمانينيات القرن الماضي، اتجهت ليبيا إلى إحياء ذكرى المنفيين الليبيين الذين اقتلعتهم سلطات الاحتلال الإيطالي من أرضهم، وأبعدتهم قسرًا إلى الجزر الإيطالية المهجورة في البحر المتوسط، عقب الغزو سنة 1911. وأصبح يوم 26 أكتوبر مناسبة لاستحضار واحدة من أقسى المآسي الإنسانية في تاريخ ليبيا الحديث، وتذكير الأجيال بما تعرض له الليبيون من قمع وتهجير بسبب مقاومتهم للاحتلال ودفاعهم عن وطنهم.

لم تكن تلك الذكرى مجرد مناسبة لاستعادة أحداث مضى عليها الزمن، بل كانت محاولة لاسترداد صفحة من التاريخ الوطني، وإعادة الاعتبار إلى آلاف الليبيين الذين غُيِّبوا عن أرضهم، وحُرموا من أسرهم، ومات أغلبهم في غياهب البحر أثناء رحلة الإبعاد ومن بقي منهم قضى نحبه بعيدًا عن الوطن الذي دافعوا عنه.

في إطار الجهود الرامية إلى جمع الوثائق والأسماء والشهادات المتعلقة بقضية المنفيين الليبيين، تعود الشواهد الموثقة على إحياء ذكراهم إلى عام 1987 على الأقل، حين أُقيمت في طرابلس فعاليات لإحياء ذكرى النفي، باعتباره محطة مؤلمة في التاريخ الوطني. كما نظَّمت وفود ليبية زيارات إلى مواقع النفي في إيطاليا، بمشاركة مجاهدين وأقارب المنفيين وذويهم.

وجرى إحياء ذكرى النفي في 26 أكتوبر من كل عام، باعتباره يوم حداد وطني على المنفيين الليبيين، تخليدًا لذكرى آلاف الليبيين الذين أُبعدوا قسرًا إلى الجزر الإيطالية خلال فترة الاحتلال الإيطالي. وشملت فعاليات إحياء الذكرى زيارة مقابر المنفيين، وتنظيم الندوات التاريخية، والتعريف بمعاناتهم وتضحياتهم، تأكيدًا على أن قضية المنفيين جزء أصيل من الذاكرة الوطنية الليبية.

النفي.. جريمة بدأت مع الاحتلال

بدأت مأساة المنفيين مع الغزو الإيطالي لليبيا في أكتوبر 1911. فبعد إنزال القوات الإيطالية على السواحل الليبية، واجهها الليبيون بالمقاومة المسلحة، وكانت معركتا الشط والهاني من أبرز محطات المواجهة الأولى.

وأمام المقاومة الشعبية، لجأت سلطات الاحتلال إلى النفي القسري وسيلة لمعاقبة الليبيين وإبعاد من اشتبهت في ارتباطهم بالمجاهدين، في محاولة لعزل المقاومة عن حاضنتها الاجتماعية، وكسر إرادة الأهالي، وإخضاع البلاد بالقوة.

وتشير المصادر التاريخية الليبية إلى أن أولى عمليات النفي الجماعي بدأت في 26 أكتوبر 1911، وأن عدد المنفيين بلغ نحو خمسة آلاف شخص عبر مراحل مختلفة من الاحتلال. وشملت عمليات الإبعاد مجاهدين ومدنيين وأفرادًا من أسر ارتبطت بالمقاومة، ولم تكن آثارها مقتصرة على من رُحِّلوا وحدهم، بل امتدت إلى عائلاتهم ومجتمعاتهم. لقد كان النفي اقتلاعًا للإنسان من جذوره.

من ليبيا إلى الجزر الإيطالية

حُمل المنفيون على السفن، وعبروا البحر المتوسط إلى جزر إيطالية بعيدة عن وطنهم. وتبرز في تاريخ هذه القضية أسماء جزر تريميتي، وأوستيكا، وبونزا، وفافينيانا المهجورة، وغيرها من المواقع التي استُخدمت لاعتقال الليبيين وإخضاعهم لظروف قاسية.

وتشير الشواهد إلى معاناةالمنفيين من العزلة، وقسوة المناخ، ونقص الغذاء والرعاية الصحية، وانتشار الأمراض، فضلًا عن الآثار النفسية المترتبة على البعد عن الوطن والأهل. كما توفي عدد منهم في المنفى، ودُفنوا بعيدًا عن مدنهم وقراهم، دون أن تتاح لكثير من أسرهم فرصة معرفة تفاصيل مصائرهم.

وتبقى جزيرة أوستيكا شاهدًا على هذه المأساة، إذ تشير مصادر ليبية إلى وجود مقبرة تضم رفات 132 من المنفيين الليبيين. ولا يمثل هذا العدد إجمالي الضحايا في جميع الجزر، وإنما يرتبط بالمقبرة التي تناولتها تلك المصادر.

ولم تنته عمليات النفي بانقضاء الأيام الأولى للغزو؛ فقد امتدت السياسة الاستعمارية إلى مراحل لاحقة، تبعًا لتطور المقاومة والظروف العسكرية والسياسية. ولهذا فإن دراسة القضية تتطلب العودة إلى قوائم الأسماء، وسجلات الاحتجاز والوفاة، والمراسلات الإيطالية، إلى جانب الروايات الليبية والشهادات العائلية.

وتكتسب الوثائق التي جمعها الباحثون الليبيون أهمية خاصة، فهي لا تحفظ الأرقام وحدها، بل تعيد الاعتبار إلى أشخاص حقيقيين، لهم أسماء وأسر وقرى وذكريات، انتُزعوا من حياتهم بسبب الاحتلال.

من ذاكرة المنفيين إلى مسؤولية الأجيال

إن إحياء ذكرى المنفيين في عهد الجماهيرية الليبية، من خلال تنظيمها رسميًّا، يعكس إدراك أهمية هذه القضية في الذاكرة الوطنية. غير أن قيمة الذكرى لم تتوقف عند مراسم الحداد أو الزيارات السنوية للمقابر، بل امتدَّت إلى إجراء قانوني وملف سياسي فصلت فيه الدعوى المقدمة من ليبيا ضد إيطاليا وحقبتها الاستعمارية، وأنصف القانون المجاهدين وعائلاتهم، وأخد حقهم، من خلال اعتذار رسمي وتعويضات من الحكومة الإيطالية، على ما فعلوه بالمجاهدين الليبيين أثناء فترة الاحتلال.

وتم تحديد أسماء كل المنفيين تقريبا، فليبيا كانت حريصة على إثبات نفي كل اسم ورد من أرشيف التوثيق، واعتبرته جزءًا من تاريخ ليبيا، وكل قبر يُحدد موقعه هو خطوة نحو إنصاف إنسان حُرم من العودة إلى وطنه، وكل شهادة تُحفظ هي مواجهة لمحاولات النسيان.

دخلت قضية المنفيين أيضا في مسار العلاقات الليبية الإيطالية ففي 30 أغسطس 2008، وُقعت معاهدة الصداقة والشراكة والتعاون بين البلدين في بنغازي، وتناولت معالجة إرث الحقبة الاستعمارية والتعاون في ملفات مرتبطة بالمنفيين.

لكن الاعتراف السياسي لا يغني عن مواصلة البحث التاريخي، كما أن توقيع الاتفاقيات لا يعني بالضرورة أن جميع الملفات الإنسانية قد أُغلقت. فالواجب الوطني يقتضي التحقق من مصائر المنفيين، وتوثيق أسماء الذين ماتوا في الجزر، وتقديم تاريخهم للأجيال باعتباره جزءا من تاريخ المقاومة والاستقلال.

ليبيا المستقلة وأسماء الغزاة على نواصي شوارعها

اليوم، وبعد رحلة طويلة لإثبات حقوق ليبيا والليبيين الذين عانوا الاستعمار الإيطالي، وتعرضوا للنفي والقتل، وبعد خمسة عشر عامًا على أحداث فبراير، تبرز مفارقة تاريخية تستحق التوقف عندها، تتمثل في عودة بعض التسميات المرتبطة بالحقبة الاستعمارية إلى الواجهة، بما يثير تساؤلات حول الذاكرة الوطنية ودلالات الرموز التي تحملها أسماء الشوارع والميادين.

فبعد تخلص ليبيا من الاحتلال الإيطالي وتحقيق استقلالها عام 1951، استمر وجود بعض المستوطنين الإيطاليين، وظلت أسماء عدد من الشوارع والميادين تحمل تسميات مرتبطة بالجنرالات والرموز الاستعمارية. ومع قيام ثورة الفاتح من سبتمبر، بدأت مرحلة استعادة الهوية الوطنية، وتغيَّرت أسماء مواقع وشوارع وميادين كانت تحمل تسميات استعمارية، في إطار السعي إلى إزالة الرموز التي فرضها الاحتلال على المدن الليبية.

غير أن هذه التسميات تعود اليوم إلى الواجهة، في مشهد يثير الجدل بشأن الذاكرة التاريخية والهوية الوطنية، وسط مخاوف من أن يؤدي إحياء الرموز الاستعمارية إلى تهميش ما تحمله الذاكرة الليبية من معاناة وتضحيات في مواجهة الاحتلال.

وشهدت طرابلس أيضا ظهور تسميات إيطالية أخرى كانت موجودة من زمن الاحتلال، وألغيت منها «كورسو فيتوريو إمانويلي الثالث»، و«لونغوماري كونتي فولبي» من وقت قريب وبشكل رسمي ومن بلدية طرابلس، أعيد الاسم الإيطالي لما تعرف بعمارة القلالية الواقعة في شارع أول سبتمبر في مدينة طرابلس هو غلاريا دي بونو (Galleria Di Bono). وهو ما أسمته ثورة الفاتح برواق الكرامة وهو رواق فني للرسم والفنون، إلى جانب أسماء ميادين وطرق ارتبطت بالتخطيط الاستعماري للمدينة. أعيد إحياء تسميتها الاستعمارية اليوم.

على الشعب الليبي الذي عانى آباؤنا وأجداده ويلات الحرب والنفي والقتل، أن يميز بين أسماء المدن الإيطالية وأسماء الشخصيات التي ارتبطت بالاحتلال، فلكل تسمية دلالتها، ولا يصح وضعها جميعًا في تصنيف واحد دون بحث وتوثيق.

إن أسماء مجرمي الحرب من أمثال كانيفا وجرسياني وبالبو ينبغي أن تلعن من الليبيين إلى يوم الدين، ولا يمكن أن يسمح للخونة والعملاء بتمجيدهم وذكر مآثر مندوبة لهم.

ومع ذلك، فإن السؤال الوطني يبقى قائمًا ما الذي يدفع مجتمعًا تحرر من الاستعمار إلى التساهل مع إعادة إبراز رموزه، أو إلى التعامل مع أسماء بعض قادته وكأنها مجرد أسماء عادية، منفصلة عن تاريخ الاحتلال الذي ارتبطت به؟

إن تسمية الشوارع والميادين ليست مسألة جغرافية محايدة؛ فهي تعبير عن الذاكرة العامة، وعن الشخصيات والأحداث التي يختار المجتمع أن يخلدها في فضائه اليومي.

لا لاستعادة عباءة المستعمر

ليس المطلوب محو التاريخ الإيطالي من ليبيا، بالعكس علينا ترسيخه بشواهد قمعيته وبربريته وفاشستيته، فالتاريخ يُدرس بكل تفاصيله، بما خلفه من جرائم والاحتلال، لا بمبانٍ كانت تجهز لخدمة المستعمر ولا يدخلها ليبي.

اليوم ثَمَّ فرق واضح بين الاحتفاظ بالشواهد التاريخية لأغراض التوثيق، وبين تحويل أسماء الغزاة وقادة الاحتلال إلى رموز تكريم في شوارع المدن الليبية.

فليبيا التي دفعت أثمانا باهظة من دماء أبنائها، ونفت سلطات الاحتلال آلافًا من أهلها إلى الجزر الإيطالية، لا ينبغي أن تنسى دلالات الأسماء التي ارتبطت بتلك الحقبة. ومن حق الليبيين أن يناقشوا تسميات شوارعهم وميادينهم، وأن يطالبوا بإحياء أسماء المجاهدين والمنفيين والشهداء، وفقا لوقائع تاريخية موثقة وإجراءات قانونية واضحة.

فهل نريد لمدننا أن تعكس تاريخ الذين احتلوا ليبيا، أم تاريخ الذين قاوموا الاحتلال ودفعوا ثمن الحرية؟

إن الذاكرة الوطنية لا تُبنى بالانتقائية، ولا باستنساخ رموز الماضي دون فهم سياقها. ومن لا يعرف دلالة الاسم الذي يضعه على شارع، قد يجد نفسه، من حيث لا يدري، يعيد إنتاج رمزية مرحلة قاومها أجداده.

ليس من المعقول أن تتخلص ليبيا من الاستعمار، ثم تعود لترتدي عباءته الرمزية، وتمنح أسماء الغزاة وقادته مكانًا في ذاكرتها العامة، فيما لا تزال أسماء المنفيين والمجاهدين تنتظر من يستعيدها وينصف أصحابها.

فالأوطان التي تحترم تاريخها لا تنسى من اقتُلعوا منها، ولا تخلط بين توثيق تاريخ المستعمر وتكريمه، ولا تسمح بأن تتقدم أسماء الغزاة على أسماء الذين دافعوا عن أرضها وكرامتها.

إن 26 أكتوبر ليس مجرد تاريخ في التقويم، إنه تذكير بأن الحرية التي نعيشها اليوم دفع ثمنها أناس حُرموا من الوطن، وأن الوفاء لهم يبدأ بحفظ أسمائهم، وصيانة ذاكرتهم، وإعادة الاعتبار إلى تاريخهم.

زر الذهاب إلى الأعلى