مقالات الرأي

حين يخفت البريق وتختل معايير النخبة



محمد علوش

لم تكن الثقافة الفلسطينية، في مراحل ازدهارها، مجرد إنتاج أدبي أو نشاط فني، بل كانت جزءًا من معركة الوعي الوطني، وأداة للدفاع عن الهوية والذاكرة والوجود، ومجالًا لطرح أسئلة الحرية والمنفى والوطن والعدالة والإنسان، وكان المثقف يمتلك قدرة على التأثير وصناعة المعنى ومقاومة الرداءة، تتجاوز ما ينتجه إلى ما يمثله في الوعي العام.

فأين ذهب ذلك البريق؟ وهل نحن أمام تراجع عابر، أم أزمة أعمق تمس بنية الثقافة ووظائفها وعلاقتها بالمجتمع؟ وكيف تبدلت مكانة المثقف، وما الذي أصاب المعايير التي تحدد من يستحق موقعه في النخبة الثقافية؟

ليس من الإنصاف القول إن الثقافة الفلسطينية انهارت، أو إن الحاضر خلا من المبدعين وأصحاب المشاريع الجادة، فما زالت هناك تجارب شعرية وروائية ونقدية وفنية مهمة، ويواصل الفلسطيني إنتاج ثقافته تحت الاحتلال والحصار والتهجير، وفي ظروف مادية ومؤسسية قاسية، لكن استمرار الإبداع الفردي لا ينفي أزمة المشهد العام، التي تتجلى في ضعف النقد، وتراجع القراءة، وانحسار النقاش الفكري، واختلال العلاقة بين القيمة الإبداعية والاعتراف العام.

وهنا ينبغي التمييز بين الإنتاج الثقافي والمشهد الثقافي؛ فقد يستمر المبدعون في العطاء، بينما تتراجع المؤسسات والفضاءات القادرة على احتضان أعمالهم وتقديمها للجمهور وإخضاعها للنقاش والتقييم، فالمشكلة ليست في غياب الثقافة، بل في تراجع قدرتها على التأثير والتجدد وصناعة حضور يتناسب مع طاقاتها.

لقد تغيرت الشروط التي تشكل في ظلها المشهد الثقافي الفلسطيني، فبعدما كانت القصيدة والرواية والكتاب والمجلة والندوة فضاءات أساسية لتكوين الوعي العام، تراجعت بعض هذه المنابر، وضعفت مؤسسات النشر والتوزيع، فيما بات الحضور العام يتأثر بمنطق السرعة والانتشار والتفاعل الرقمي، ولم تعد القيمة المعرفية وحدها تضمن الوصول إلى الجمهور، كما لم يعد الانتشار دليلًا على القيمة؛ فقد يحظى المحتوى السطحي بانتشار واسع، بينما تمر تجربة إبداعية مهمة دون نقاش يوازي أهميتها، ولا تتحمل التكنولوجيا مسؤولية هذا التراجع بذاتها، فهي تتيح فرصًا جديدة للنشر والتواصل، لكن المشكلة تكمن في كيفية توظيفها، وفي قدرة المؤسسات والمثقفين على مواجهة الاستهلاك السريع بالمعرفة والإنتاج الجاد.

ويتداخل ذلك مع خلل آخر يتعلق بعلاقة الثقافة بمراكز النفوذ السياسي والاجتماعي والمالي، فعندما تخضع فرص النشر والتكريم والمشاركة للمحاباة أو الولاء أو العلاقات الشخصية، تتراجع عدالة التقييم، ويصبح الوصول إلى المنابر أحيانًا أهم من قيمة ما يقدم عليها. لذلك، لا بد من معايير واضحة وشفافة تضمن استقلال القرار الثقافي عن المصالح الضيقة.

وهنا يبرز السؤال: من هم النخبة؟ وهل يكفي إصدار كتاب، أو نشر قصيدة، أو الظهور المتكرر في وسائل الإعلام، لكي يصبح صاحبها جزءًا من النخبة الثقافية؟

إن اتساع مفهوم المثقف لا يعني إلغاء الفوارق بين مستويات المعرفة والإبداع والتأثير. فليس كل من أصدر كتابًا مفكرًا، ولا كل من كتب قصيدة شاعرًا متميزًا، ولا كل من امتلك جمهورًا واسعًا صاحب مشروع ثقافي، فالحضور الإعلامي قد يلفت الانتباه، والشهرة قد تمنح صاحبها مكانًا في التداول العام، لكنهما لا يعوضان ضعف المعرفة، ولا يؤسسان -وحدهما- قيمة ثقافية مستدامة.

النخبة الحقيقية ليست قائمة أسماء، ولا دائرة مغلقة يتبادل أفرادها الألقاب والتكريمات، بل تتشكل من أصحاب التجارب التي راكمت قيمة معرفية أو جمالية، وأسهمت في تطوير الوعي والإبداع، وامتلكت القدرة على مساءلة الواقع واستشراف المستقبل، وقد يكون بعض هؤلاء بعيدين عن الأضواء، لكن أثرهم يتجاوز حضورهم الشخصي.

ومع ذلك، ليست المكانة الثقافية امتيازًا أبديًّا، ولا تعني احتكار المنابر أو تحصين التجارب من النقد، فاحترام الرموز لا يعني تقديسها، والاعتراف بالمنجز لا يبرر إعفاءه من المراجعة، وقد يحقق كاتب إنجازًا بارزًا ثم يتوقف عن التطور، فيما يظهر صوت جديد يحمل من التجديد والجرأة ما يجعله أكثر قدرة على التعبير عن تحولات عصره.

وتتفاقم الأزمة حين تتحول الثقافة إلى وسيلة لاكتساب الوجاهة الاجتماعية، وينشغل بعض المشتغلين بها بتثبيت صورتهم أكثر من تطوير إنتاجهم، عندها يحل الاستعراض محل المعرفة، والمجاملة محل النقد، ويتحول الاختلاف الفكري إلى خصومة شخصية، فلا يعود الاعتراف الثقافي انعكاسًا بالضرورة لقيمة العمل، بل قد يصبح نتيجة للعلاقات أو تكرار الظهور أو النفوذ داخل دوائر التقييم.

لذلك، تمثل أزمة النقد أحد أبرز مظاهر الخلل. فالنقد ليس تشهيرًا بالأسماء ولا تصفية للحسابات، بل ممارسة معرفية وجمالية تميز بين التجربة الجادة والعمل العابر، وبين التجديد والتكرار، ومن دون نقد مستقل ومسؤول، تفقد الثقافة إحدى أهم وسائل تجددها، وتتحول بعض المنابر إلى مساحات للإطراء المتبادل، حيث يحتفى بالأعمال دون مساءلة حقيقية لقيمتها وإضافتها.

ولا تنفصل هذه الاختلالات عن الظروف الاقتصادية والسياسية والاجتماعية التي يعيشها الفلسطينيون، فتراجع القدرة على اقتناء الكتب، وضعف مؤسسات النشر، وضيق فرص التفرغ للكتابة والبحث، وأعباء الاحتلال والحروب والفقر والبطالة، كلها عوامل تحد من المشاركة الثقافية وتضعف شروط الإنتاج، كما يؤثر الانقسام السياسي وتراجع المساحات المشتركة في قدرة الثقافة على أداء دورها بوصفها مجالًا للحوار والتعددية وإنتاج المعنى.

لكن الثقافة ليست ترفًا يمكن تأجيله إلى ما بعد انتهاء الأزمات، بل أداة لفهمها وحماية الذاكرة وإعادة بناء القدرة على التفكير والمقاومة، ومن ثم، لا يكفي تفسير تراجع المشهد بقلة الموارد وقسوة الظروف، بل ينبغي مساءلة المؤسسات والمثقفين عن قدرتهم على حماية استقلالية الثقافة وتجديد وظائفها وربطها بأسئلة المجتمع.

ولا تبدأ استعادة البريق بتكثير المهرجانات والجوائز وقوائم المكرمين، وإن كانت هذه الأنشطة مهمة حين تستند إلى معايير عادلة، بل بإعادة الاعتبار للكتاب والقراءة والبحث والنقد، وبناء مؤسسات مستقلة وشفافة، وتوفير فرص عادلة للأجيال الجديدة، وتوسيع إمكانات النشر والتوزيع، وإقامة علاقة حية بين الثقافة والجمهور.

والأهم أن تستعيد الثقافة قدرتها على طرح الأسئلة غير المريحة، والتحرر من الخوف من الاختلاف وإغراء التوافق الشكلي، فالمثقف لا يقاس بمدى انسجامه مع السائد أو قدرته على إرضاء المؤسسات والجمهور، بل بجدية معرفته، وأصالة إنتاجه، واستعداده للمراجعة، ومسؤوليته في التعامل مع الحقيقة والإنسان.

ليس السؤال ما إذا كانت الثقافة الفلسطينية قد انهارت، بل ما الذي فقدته من شروط التأثير والتجدد، وكيف يمكن استعادة هذه الشروط، فثمة فرق بين وجود المبدعين ووجود حركة ثقافية حية، وبين كثرة الأسماء ووجود نخبة فاعلة، وبين إقامة الأنشطة وبناء تقاليد راسخة للإنتاج والنقد والتراكم المعرفي.

الثقافة الفلسطينية لا تحتاج إلى رثاء يكرس اليأس، ولا إلى خطاب احتفالي ينكر الخلل، بل إلى نقد شجاع يعيد الاعتبار للمعايير ويفتح المجال أمام المراجعة والتجديد، فالبريق الحقيقي ليس ضوءًا تسلطه المؤسسات على أسماء بعينها، بل أثر يتركه الفكر في الوعي، والفن في الوجدان، والكلمة في قدرة الإنسان على فهم نفسه وعالمه، والنخبة لا تصنعها الألقاب ولا تحميها العلاقات، بل تمنحها الثقافة مكانتها بقدر ما تضيف إلى معرفة المجتمع ووعيه، وتفتح أمامه أفقًا جديدًا لفهم الإنسان والوطن والمستقبل.

زر الذهاب إلى الأعلى