هل تدفع أوروبا ثمن نهاية عصر الرفاه؟

بقلم: عثمان الدعيكي
لم تعد الأزمات الاقتصادية التي تواجهها أوروبا مجرد تقلبات عابرة يمكن احتواؤها بإجراءات مالية مؤقتة، بل أصبحت تعكس اختلالات متراكمة في بنية الاقتصاد الأوروبي، تتداخل فيها أزمات الطاقة والديون وتراجع القدرة التنافسية مع تداعيات الحروب والتحولات الجيوسياسية. وتكشف الضغوط التي تواجه فرنسا وألمانيا وإيطاليا أن القارة التي قادت التصنيع والتكامل الاقتصادي لعقود باتت مطالبة بمراجعة مرتكزات نموذجها التنموي.
وتتجلى الأزمة في ارتفاع تكاليف المعيشة، وتصاعد الاحتجاجات الاجتماعية، وتزايد الضغوط على الموازنات العامة، وسط خلافات سياسية بشأن الضرائب والإنفاق والخدمات الاجتماعية. غير أن فهم هذه التطورات يستدعي العودة إلى جذورها التاريخية، وتحليل العوامل التي أوصلت الاقتصادات الأوروبية إلى هذا المنعطف.
اختلالات تاريخية تفاقمها أزمات الحاضر
لم تبدأ المتاعب الاقتصادية الأوروبية مع الحرب الروسية الأوكرانية أو جائحة كورونا، فجذورها أقدم من ذلك. خرجت القارة من الحربين العالميتين مثقلة بالدمار والديون، واعتمدت دولها الغربية على المساعدات والاستثمارات الأمريكية لإعادة البناء، خصوصًا في إطار مشروع مارشال. وبعد انتهاء الحرب الباردة، واجهت أوروبا أعباء إعادة هيكلة اقتصادات الشرق ودمجها في المنظومة الأوروبية، بالتزامن مع تعميق التكامل الاقتصادي والنقدي وصولًا إلى قيام الاتحاد الأوروبي.
ورغم نجاح التجربة الأوروبية في إنشاء سوق موحدة وإطلاق عملة مشتركة، فإنها لم تُلغِ التفاوت بين الاقتصادات الوطنية، ولم تحقق تناغمًا كاملًا في السياسات المالية والإنتاجية. وكشفت الأزمة المالية العالمية عام 2008، ثم أزمة الديون السيادية، عن مواطن ضعف في الأنظمة المالية وقدرة بعض الدول على تحمل الاقتراض.
وزادت الضغوط مع شيخوخة السكان وتراجع المواليد وارتفاع تكاليف المعاشات والرعاية الصحية، فضلًا عن صعوبة التوفيق بين احتياجات سوق العمل وسياسات الهجرة والاندماج الاجتماعي. وهكذا دخلت أوروبا أزماتها الأخيرة وهي تحمل اختلالات هيكلية لم تعالجها بصورة كاملة.
الطاقة والحروب وتراجع التنافسية
أضافت جائحة كورونا أعباء جديدة بعدما عطلت الإنتاج وسلاسل الإمداد ورفعت الإنفاق الحكومي. ثم كشفت الحرب الروسية الأوكرانية عام 2022 هشاشة اعتماد قطاعات صناعية أوروبية على الطاقة الروسية منخفضة التكلفة نسبيًّا. ومع تراجع الإمدادات والبحث عن بدائل أكثر تكلفة، تعرضت الصناعات كثيفة الاستهلاك للطاقة لضغوط كبيرة.
وامتدت التداعيات إلى تكاليف الإنتاج والنقل والأسمدة والسلع الأساسية، فتراجعت القدرة الشرائية للأسر وتضررت تنافسية الشركات. وفي الوقت نفسه، واجهت الصناعات الأوروبية منافسة متزايدة من الصين، خصوصًا في السيارات الكهربائية، بينما تتحمل الشركات تكاليف التحول الأخضر والالتزام بالمعايير البيئية.
كذلك فرض الدعم المالي والعسكري لأوكرانيا، إلى جانب الحاجة إلى تعزيز القدرات الدفاعية، أعباء إضافية على الموازنات. ومع المطالب الأمريكية بزيادة الإنفاق العسكري الأوروبي، تجد الحكومات نفسها أمام معادلة صعبة: تعزيز الدفاع دون التضحية بالاستثمار والخدمات العامة أو تعميق أزمة الديون.
وتزيد اضطرابات الشرق الأوسط، ومخاطر تعطل الملاحة وإمدادات الطاقة عبر مضيق هرمز، من تعقيد المشهد؛ إذ قد يؤدي استمرارها إلى ارتفاع أسعار النفط والشحن والتأمين، بما يفاقم التضخم ويضغط على اقتصادات لم تتعافَ تمامًا من الصدمات السابقة.
أزمة اقتصادية أم أزمة نموذج؟
تختلف الأوضاع الأوروبية من دولة إلى أخرى؛ فألمانيا تواجه تحديات صناعية وتراجعًا في بعض محركات نموها التقليدية، بينما تعاني فرنسا ضغوط العجز والدين العام، وتواجه إيطاليا مديونية مرتفعة ونموًا ضعيفًا. لذلك، لا يمكن اختزال الأزمة في الحرب أو دعم أوكرانيا وحدهما.
تكمن المشكلة الأعمق في تزامن ارتفاع النفقات مع تباطؤ النمو وضعف الإنتاجية في بعض القطاعات، وتراجع القدرة على منافسة اقتصادات تتمتع بتكاليف إنتاج أقل. كما تعرقل الانقسامات السياسية اتخاذ قرارات طويلة الأجل، خصوصًا عندما يتعارض ضبط الإنفاق مع مطالب المواطنين بالحفاظ على مستويات المعيشة.
ومن هنا، لا تمثل الاحتجاجات الاجتماعية مجرد رد فعل على الغلاء، بل تعكس تراجع الثقة بقدرة السياسات العامة على توزيع الأعباء بعدالة. فعندما تتآكل الدخول وتتراجع الخدمات، تتحول الأزمة الاقتصادية إلى أزمة اجتماعية وسياسية تهدد الاستقرار.
ماذا ينبغي أن تتعلم المنطقة العربية؟
تقدم التجربة الأوروبية دروسًا مهمة للدول العربية. أولها أن الثروة لا تضمن الاستقرار دون قاعدة إنتاجية متنوعة؛ فالاعتماد المفرط على النفط أو الغاز أو السياحة يجعل الاقتصادات أكثر عرضة للصدمات الخارجية وتقلبات الأسواق.
وثانيها أن أمن الطاقة والغذاء والمياه جزء من الأمن القومي، ما يستدعي تنويع مصادر الاستيراد، وبناء احتياطيات استراتيجية، وتطوير الزراعة والصناعات الغذائية، والاستثمار في الطاقة المتجددة، دون التخلي عن مصادر الطاقة التقليدية قبل توافر بدائل موثوقة ومجدية اقتصاديًّا.
أما الدرس الثالث، فيتعلق بالديون والإنفاق العام. فالاقتراض أداة للتنمية إذا وُجه إلى مشروعات منتجة، لكنه يتحول إلى عبء عندما يمول نفقات لا تحقق عائدًا اقتصاديًّا مناسبًا. ويظل إصلاح الدعم، وتحسين الخدمات، وتعزيز الشفافية وكفاءة إدارة المال العام، شروطًا أساسية للاستدامة المالية.
كذلك لا يمكن بناء اقتصاد قوي على الاستيراد وتصدير المواد الخام وحدهما؛ بل يتطلب الأمر تعزيز التصنيع المحلي، ودعم المشروعات الصغيرة والمتوسطة، وتطوير المهارات، وربط التعليم باحتياجات سوق العمل.
في المحصلة، لا تواجه أوروبا أزمة طاقة أو ديون فحسب، بل اختبارًا لقدرة نموذجها الاقتصادي على التكيف مع عالم تتصاعد فيه المنافسة والصراعات وتكاليف التحول. وقد لا يعني ذلك انهيار القارة، لكنه يكشف أن الحفاظ على الرفاه لم يعد مضمونًا بالإنجازات التاريخية وحدها. أما الدول العربية، فبوسعها تفادي تكرار بعض هذه الاختلالات ببناء اقتصادات أكثر إنتاجية وتنوعًا، وإدارة منضبطة للموارد، وسياسات تحمي المواطن دون استنزاف المستقبل. فالأزمات الكبرى لا تبدأ دائمًا بانهيار مفاجئ، بل تتشكل تدريجيًّا عندما تتراكم الاختلالات ويُؤجل علاجها حتى ترتفع كلفته.
