تحرير ليبيا.. واستعادة الدولة – الجزء الأول

قاسم صنبير
أستغرب في إنسان يرى بيته يحترق وعيناه على كيف يستحوذ عليه دون إخوته كما قال لي أحد الأصدقاء الذين حضروا اجتماعًا مع أحد المسؤولين المصريين بعدد من المهجرين الليبيين المقيمين في القاهرة، حيث قال لهم قبل أن تتقاسموا غرف البيت عليكم بإزالة المخلفات والقاذورات التي تمنعكم من دخول البيت، عندها يمكنكم أن تتناقشوا حول الغرف.
نحن اليوم رغم الأوجاع والقهر والمشكلات المتراكمة بدءًا بالتدخلات الأجنبية في الشأن الليبي والاختلاف الليبي الليبي فضلًا عن الأزمات المتواصلة بشأن الحياة المعيشية السيئة التي يعيشها السواد الأعظم من الليبيين من أزمة الكهرباء إلى أزمة الوقود إلى السيولة وغيرها الكثير حتى أصبح الشغل الشاغل للمواطن منذ الساعات الأولى من الصباح يصطف من طابور إلى طابور ليتمكن من ضمان بعض احتياجاته، ولا نسأل هنا عن قلة الحال لأعداد لا بأس بها من فئات المجتمع اليتامى والعجزة والأرامل والمطلقات اللائي لا يستطعن ملاحقة هذه الطوابير الطويلة الذليلة وتغول الميليشيات وبارونات الشوارع في طرابلس العزيزة وبعض مدن الغرب الليبي ناهيك عن الفساد الذي طال أغلب المؤسسات إن صحت تسميتها كذلك بعد انهيارها، الصحة والتعليم وحل الإدارة الخدمية، أستثني الأنشطة الخاصة التي أبقت بعض الشيء من التوازن رغم احتكارها للسلع أو الخدمة استغلت الوضع وأسهمت في جلد المواطن برفع الأسعار وإنتاج أساليب جديدة في المبادلات أخضعت الناس رغمًا عنهم لحاجتهم الملحَّة.
لا يتسع الحديث عن المفتي المخلوع ودار الفتوى التي حولها إلى قاعدة إطلاق صواريخ الفتوى المدمرة تُفتي بإشعال فتيل الحرب بين الإخوة مناصرًا للتطرف الديني وقطع الرؤوس ليمارس ساديته وتنفيذًا لتعاليم أسياده ينفث السم الزعاف بفحوى تلك الفتاوى بلا سند شرعي وجعل نفسه الشارع بحكم الله وباقي الناس جهلة لا يعرفون بالعلوم الشرعية وفقًا لرؤيته المتطرفة الناتجة عن الغل والحقد والكراهية، الشعب في الغرب الليبي في أسوأ أحواله، والمفتي المخلوع يدعو إلى الاقتتال كأنه لم يروَ من الدماء التي سالت والأرواح التي أزهقت، يدعو إلى التخريب ولا يروقه بناء جيش أو مؤسسات أمنية وإدارات تعمل لأجل المواطن وحماية الوطن، بل يفضل الإبقاء على ميليشياته وحالة الفوضى واللا نظام.
مع هذا السرد البسيط وغير المفصل نسمع أصواتًا تتعالى ودعوات محلية ودولية تدعو إلى الانتخابات والديمقراطية، رغم نزاهة الكثيرين على المستوى الوطني إلا أنني أتساءل عن أي ديمقراطية يتحدثون؟ ومتى يمكننا تحقيق ذلك؟ ففي الحالة الليبية كيف نصل إلى ذلك؟ فالشعوب التي عاشت مثل ظروفنا كيف حققت الوئام والسلام؟
ليبيا اليوم تحت هيمنة أجنبية سواء من خلال الأمم المتحدة ومجلس الأمن أو الدول التي تهيمن على إرادتها وتبطش بأدواتها المتمثلة في الميليشيات المتحكمة في الغرب الليبي.
أتصور أن الخروج من هذه الدوامة العسيرة أولًا بإرادة ومشاركة كل الليبيين برفض الواقع ومقاومته سلبًا أو إيجابًا، أي التحرر من الهيمنة الأجنبية والالتفاف حول قوى وطنية موحدة تملك زمام المبادرة وتحتكر السلاح وتبسط الأمن والأمان ثم تشرف على تأسيس دولة بالمفهوم الحديث للدولة، غير ذلك هو الاستمرار في دوامة الأمم المتحدة وهياكلها الصدئة ولجانها الميتة، وخلال رحلتها الطويلة لم تحل أزمة، بل تحافظ على تدويرها، وهذا ما يحصل اليوم في ليبيا؛ خمسة عشر عامًا من اللجان والهياكل التي تطيل الأزمة دون إنتاج الحلول النهائية للمشكلة، بل أنتجت حالة انقسام ربما يطول ما لم نفتك ليبيا من التغول الأجنبي.
كيف نتحدث عن الديمقراطية في دولة تحت الاحتلال؟ لا يمكن أن تجرى انتخابات في ظل الاحتلال وبلد تسيطر عليه ميليشيات مجرمة.
إذا ما قارنا المنطقة الشرقية بالمنطقة الغربية فالفرق كبير جدًّا، أي يمكن إجراء انتخابات في المنطقة الشرقية باعتبارها تخضع لسلطة واحدة تبسط السيطرة وحققت الأمن والأمان، ولا يمكن إجراء انتخابات في الغرب الليبي نظرًا لهيمنة بارونات السلاح عليه، هذا ببساطة، هل كان بالإمكان إجراء الانتخابات في المنطقة الشرقية قبل سيطرة الجيش عليها؟ لا يمكن، كانت المنطقة ترزح تحت سيطرة جماعات إرهابية تستتر بالدين، النصرة وداعش والقاعدة تلك الجماعات المتكونة من جنسيات مختلفة وحدتها أفكارها الإرهابية التي يؤيدها المفتي المخلوع.
أعتقد أن الديمقراطية تتحقق في مجتمع يعمه السلام وإرادة الناس غير مهددة عندها يمكننا أن نتحدث عن الديمقراطية وإنتاج أدواتها دون خوف أو فزع.
اليوم العالم الغربي والأمم المتحدة ومجلس الأمن يقوم بتدوير الأزمة والمحافظة على امتيازاتهم داخل ليبيا ولا يعنيهم الهمّ الليبي.
بمعنى افتكاك ليبيا لا يأتي بمسايرة لجان الأمم المتحدة ولا بالإعلان عن ميلاد أحزاب جديدة ولا جمعيات ومنظمات رغم وطنيتها، جل الدول التي مرت بنفس ظروفنا انتزعت سيادتها بنفسها، وأنتجت حلولًا جدرية لأزمتها دون تدخل من أحد، حتى الدول الكبرى اليوم كيف وصلت إلى ما هي عليه اليوم؟ حققت ذلك بعد المرور بمعارك سياسية وقانونية وأحيانًا صراعًا دمويًا حتى أسست نظامها الديمقراطي وطورته السلطة المركزية أو الاستبدادية في بعض الدول كان لها الفضل في بناء مؤسسات الدولة ثم انتقلت تدريجيا إلى الديمقراطية بمفهومها الغربي مع ذلك كانت المشاركة في بعض الدول تقتصر على فئة معينة من الناس ولا تشمل المجتمع ككل، حيث استثنت بعض الفئات كالنساء مثلًا ثم تطورت، بمعني أوضح بناء الدولة ومؤسساتها يسبق الديمقراطية في كثير من الأحيان، والأمثلة كثيرة خاصة في أوربا.
ففي الحالة الليبية ليس بالإمكان القفز مباشرة إلى استيراد النموذج الغربي ونسخه، ذلك يتطلب وقتًا ومراحل عديدة من البناء المؤسسي أولًا، مع العيوب التي يحملها النظام الديمقراطي الحالي في العالم، لكن ربما هذا هو النموذج المتعارف عليه والذي يتجه نحو التطور حتمًا. حكم الحزب الواحد أو الحزبين أو ثلاثة يتداولون السلطة ولا يمثلون كامل الشعب، بل النخبة هي التي تحكم باحتكارها الثروة، ولا نتصور انتخاب الحاكم بدون تأييد النخبة التي تملك قوة المال.
