ملفات وتقارير

الخريف الأوروبي يطرق أبواب الانفجار





تقرير – سيد العبيدي

تتسع موجة الغضب الشعبي في أوروبا تحت وطأة غلاء المعيشة وارتفاع أسعار الطاقة والسكن والغذاء، في مشهد يكشف اتساع الفجوة بين دخول المواطنين وتكاليف الحياة، وسط تراجع القدرة الشرائية والضغوط المتزايدة على الخدمات العامة، في مشهد يعيد إلى الواجهة أسئلة صعبة بشأن قدرة الحكومات الأوروبية على احتواء الأزمة الاقتصادية، التي تفاقمت بسبب التمويل الأوروبي للحرب الأوكرانية.

وبينما يخرج الطلاب والعمال والنقابات والمواطنون إلى الشوارع للمطالبة بتحسين الأجور وخفض الأسعار وتوفير السكن، تتفاقم المخاوف بشأن الدين العام والعجز المالي، خصوصًا في فرنسا التي تواجه وضعًا ماليًّا بالغ الحساسية، مع اقتراب مديونيتها من 120% من الناتج المحلي الإجمالي.

إلى ذلك، فإن ما نشر من بيانات وتقارير حول قرب إفلاس فرنسا وألمانيا، وتجاوز الدين العام في البلدين نحو 124%، يُعدّ تهديدًا خطيرًا لمستقبل الاتحاد الأوروبي برمته، حيث إن فرنسا وألمانيا تشكّلان عصب الاقتصاد في “القارة العجوز”.

الشوارع الأوروبية تنتفض

وخلال أكتوبر الجاري شهدت فرنسا، موجة احتجاجات واسعة بدأت بمطالب تتعلق بتدهور أوضاع المدارس ونقص المعلمين والموارد التعليمية، قبل أن تمتد إلى قضايا غلاء المعيشة وتراجع الخدمات العامة والعدالة الاجتماعية. ووفق تقارير صحفية دولية، تصاعدت حدة الاحتجاجات والعنف بين الشرطة والمتظاهرين، حيث تحولت بعض التجمعات إلى أعمال عنف وتخريب ونهب واشتباكات.

كما امتدت أجواء الاحتجاج إلى دول أوروبية أخرى، بينها إيطاليا وبلجيكا والبرتغال وإسبانيا، حيث تركزت المطالب على رفع الأجور وتحسين المعاشات وخفض الإيجارات وتكاليف الطاقة، إلى جانب توفير فرص العمل وتعزيز الإنفاق على التعليم والصحة. كما ارتبطت بعض التحركات في ألبانيا بقضايا الفساد والبطالة وتراجع الثقة في المؤسسات.

وفي فرنسا، أعادت الاحتجاجات إلى الأذهان حركات اجتماعية سابقة، أبرزها احتجاجات السترات الصفراء، التي انطلقت اعتراضًا على أعباء الوقود وتطورت إلى مواجهة سياسية واجتماعية أوسع. لكن المشهد الحالي أكثر تعقيدًا، بسبب تداخل الأزمات المعيشية مع الخلافات حول الموازنة العامة ومستقبل الخدمات الحكومية والاستعداد للانتخابات الرئاسية المقبلة.

التضخم يلتهم الدخول

وتتمثل إحدى أبرز مفارقات الأزمة الأوروبية في أن تراجع معدل التضخم لا يعني بالضرورة عودة الأسعار إلى مستوياتها السابقة؛ فحتى عندما تتباطأ وتيرة ارتفاع الأسعار، تظل الأسر تتحمل كلفة مرتفعة للغذاء والطاقة والسكن، بعد الزيادات المتراكمة خلال السنوات الماضية.

ووفق بيانات يوروستات التي حللتها شبكة “يورونيوز” في أكتوبر 2026، ارتفعت أسعار الغذاء والمشروبات غير الكحولية في الاتحاد الأوروبي بنحو 34% بين أغسطس 2021 وأغسطس 2026. كما تراجعت كمية الغذاء التي يستطيع الحد الأدنى الإجمالي للأجور شراءها في بعض الدول خلال الفترة المقارنة، بينها فرنسا وإسبانيا ومالطا، بما يعكس الضغوط التي تتعرض لها القوة الشرائية، مع ملاحظة أن المقارنة لا تشمل الإيجارات والضرائب وبقية نفقات الأسر.

استنزاف مالي في احتياجات يومية

وتزداد المشكلة حدة عندما تتزامن الزيادات السعرية مع ضعف نمو الأجور أو ارتفاع تكاليف الاقتراض والسكن؛ إذ تجد الأسر نفسها مضطرة إلى إعادة ترتيب أولويات الإنفاق، وتقليص النفقات غير الأساسية، فيما تواجه الفئات منخفضة الدخل خطر استنزاف الجزء الأكبر من رواتبها في الاحتياجات اليومية.

ويحتل السكن موقعًا متقدمًا في قائمة أسباب الغضب، خصوصًا لدى الشباب والعمال في المدن الكبرى. ففي إسبانيا والبرتغال، تصاعدت التحركات المطالبة بمواجهة ارتفاع الإيجارات وأزمة القدرة على شراء المساكن، بينما شهدت مدريد ومدن أخرى تحركات مرتبطة بأوضاع المستأجرين وتكاليف السكن.

إيطاليا: التضخم يضغط على الأسرة

وفي إيطاليا، ترافقت الاحتجاجات مع مطالب بتحسين الأجور والخدمات الصحية والتعليمية وتوفير فرص العمل. وأظهرت البيانات المنشورة خلال أكتوبر أن التضخم الإيطالي بلغ 4.2% في سبتمبر، متجاوزًا متوسط منطقة اليورو الوارد في التقارير نفسها، وهو ما يزيد الضغط على الأسر التي تعاني بالفعل من ارتفاع المصروفات الأساسية.

وهكذا، لم تعد الأزمة مجرد أرقام تصدرها المؤسسات الإحصائية، بل تحولت إلى معركة يومية بين الدخول المحدودة وفواتير لا تتوقف عن الارتفاع، بما يضع الحكومات أمام تحدي استعادة الثقة في سياساتها الاقتصادية والاجتماعية.

فرنسا: الدين العام يقترب من 120%

كما تواجه فرنسا واحدة من أكثر المعضلات المالية حساسية في أوروبا؛ إذ تتزايد المديونية العامة في وقت يعاني فيه المشهد السياسي من الانقسام، وتتعثر المناقشات المتعلقة بخفض العجز وإقرار موازنة قادرة على إعادة ضبط المالية العامة.

ووفق تقديرات وزارة المالية الفرنسية التي نقلتها وكالة “رويترز” في سبتمبر 2026، يتوقع أن يبلغ الدين العام نحو 119.3% من الناتج المحلي الإجمالي خلال العام الجاري، قبل أن يرتفع إلى 121.7% في 2027. كما توقعت الوزارة وصول عجز الموازنة إلى 5.4% من الناتج المحلي الإجمالي في 2026، فيما تسعى الحكومة إلى توفير نحو 54 مليار يورو ضمن إجراءات تستهدف خفض الإنفاق وضبط الحسابات العامة في موازنة العام المقبل.

مطالب بخفض العجز واحتواء الدين

وتعني هذه الأرقام أن الحكومة الفرنسية تواجه معادلة شديدة الصعوبة؛ فهي مطالبة بخفض العجز واحتواء الدين المتزايد، لكنها تتحرك في بيئة اجتماعية ترفض تحميل المواطنين مزيدًا من الأعباء، وفي برلمان منقسم يجعل تمرير الإجراءات المالية أكثر تعقيدًا.

وتكمن خطورة الدين العام في أن ارتفاعه لا يقتصر على حجم الالتزامات المتراكمة، بل يمتد إلى تكلفة خدمته، خاصة عندما ترتفع أسعار الفائدة التي تطلبها الأسواق مقابل إقراض الدولة. فكل زيادة في تكلفة الاقتراض قد تعني توجيه موارد أكبر إلى سداد الفوائد، على حساب أولويات أخرى مثل التعليم والصحة والاستثمار والخدمات المحلية.

وتزداد المخاوف عندما تتراجع ثقة المستثمرين في قدرة الحكومة على إقرار إصلاحات مالية مستقرة؛ إذ يمكن أن يؤدي ارتفاع عوائد السندات إلى زيادة تكلفة التمويل، بما يفاقم الضغوط على الموازنة ويحد من قدرة الدولة على التحرك اقتصاديًّا.

الاقتصاد الألماني وسلاح الانتخابات

هذا ويعاني الاقتصاد الألماني من أزمة متفاقمة بفعل ضعف النمو، وارتفاع تكاليف الطاقة والإنتاج، وتراجع تنافسية الصناعات الكبرى، خصوصًا السيارات والكيماويات، إلى جانب تصاعد إفلاس الشركات والضغوط على سوق العمل. وتثير هذه التحديات مخاوف بشأن مستقبل أكبر اقتصاد في أوروبا، وانعكاسات تعثره على استقرار الاتحاد الأوروبي ككل.

حول ذلك، تسعى أليس فايدل، الرئيسة المشاركة لحزب “البديل من أجل ألمانيا”، إلى توظيف التراجع في مستويات المعيشة والمخاوف الاقتصادية لتقديم حزبها بوصفه بديلًا عن القوى السياسية التقليدية.

وفي تصريحاتها خلال فعالية بالبرلمان الأوروبي في ستراسبورج يوم 21 أكتوبر الحالي، انتقدت فايدل السياسات الأوروبية والألمانية، معتبرة أن الأوروبيين أصبحوا أكثر فقرًا وأن قدرتهم الشرائية تتراجع، كما دعت إلى تقليص صلاحيات مؤسسات الاتحاد الأوروبي وإعادة سلطات أوسع إلى الحكومات والبرلمانات الوطنية.

وتكتسب هذه المواقف أهميتها من اتساع مساحة الغضب لدى الناخبين الذين يرون أن السياسات الاقتصادية القائمة لم تعد توفر لهم المستوى السابق من الأمان المعيشي. فحين ترتفع فواتير الطاقة وتتراجع القدرة على تحمل الإيجارات ويصبح الادخار أكثر صعوبة، تتحول القضايا الاقتصادية إلى عامل مؤثر في الاختيارات الانتخابية.

الوضع الاقتصادي في إسبانيا

وفي إسبانيا يعاني كذلك الاقتصاد من ضغوط متزايدة بفعل ارتفاع تكاليف المعيشة وأزمة السكن وتراجع القدرة الشرائية لقطاعات واسعة من المواطنين، رغم تسجيل معدلات نمو أفضل من بعض الاقتصادات الأوروبية الكبرى.

كما تظل البطالة، خصوصًا بين الشباب، من أبرز التحديات الهيكلية، التي تواجهها مدريد إلى جانب اتساع الفجوة الاجتماعية وارتفاع الإيجارات والديون العامة، ما يفاقم حالة الاستياء الشعبي ويضع الحكومة أمام ضغوط متصاعدة لتحقيق التوازن بين النمو الاقتصادي وتحسين مستوى معيشة المواطنين.

أوروبا أمام اختبار اجتماعي واقتصادي

وتتجاوز تداعيات الأزمة الحدود الوطنية، في ظل الترابط الكبير بين الاقتصادات الأوروبية وأسواق الطاقة والتمويل والتجارة، فإن ارتفاع أسعار الوقود والطاقة يؤدي إلى ارتفاع تكاليف الإنتاج والنقل، ثم ينتقل أثره إلى أسعار السلع والخدمات، بينما يؤدي ضعف النمو إلى تقليص قدرة الشركات على زيادة الأجور أو التوسع في التوظيف.

وقد زادت الاضطرابات في أسواق الطاقة المرتبطة بالحرب الأمريكية الإيرانية، وفق تقارير دولية خلال أكتوبر، من الضغوط على الاقتصادات الأوروبية، التي كانت تواجه أصلًا تحديات تتعلق بالنمو والتضخم والإنفاق العام. وأشارت تقديرات للمفوضية الأوروبية نقلتها “رويترز” إلى أن تداعيات الصراع على التجارة وأسواق الطاقة كلفت أوروبا نحو 100 مليار يورو، مع قفزات كبيرة في أسعار الغاز والديزل.

وفي المقابل، تواجه الحكومات معضلة في اختيار أدوات المواجهة؛ فزيادة الدعم الاجتماعي قد تخفف الضغط عن الأسر، لكنها قد تزيد الإنفاق العام إذا لم تقابلها موارد كافية، بينما قد يؤدي خفض الإنفاق بسرعة إلى تعميق الغضب الشعبي وإضعاف الخدمات الأساسية. كما أن رفع الفائدة أو تشديد الأوضاع المالية قد يحد من بعض الضغوط التضخمية، لكنه يرفع كلفة الاقتراض على الحكومات والشركات والأسر.

بين الإصلاح المالي واتساع الاحتجاجات

وتتوقف المرحلة المقبلة على قدرة الحكومات الأوروبية على تحقيق توازن بين الانضباط المالي والاستقرار الاجتماعي. ففي فرنسا، سيكون تمرير موازنة قابلة للتنفيذ وخفض العجز تدريجيًّا اختبارًا رئيسيًّا للحكومة، خصوصًا مع اقتراب الانتخابات الرئاسية وتصاعد المنافسة السياسية.

أما إذا استمرت الخلافات البرلمانية وتعطلت إجراءات الإصلاح، فقد تواجه البلاد مزيدًا من الضغوط في أسواق السندات وارتفاعًا في تكاليف الاقتراض، بينما يمكن أن يؤدي اتساع الاحتجاجات إلى إضعاف الثقة الاقتصادية وتأجيل القرارات الاستثمارية.

وفي ألمانيا، قد تستفيد الأحزاب المعارضة من تنامي المخاوف بشأن الطاقة والقدرة الشرائية، بينما ستواجه الحكومة ضغوطًا لإثبات أن سياساتها الاقتصادية قادرة على حماية الوظائف وتحسين مستويات المعيشة. وفي إيطاليا وإسبانيا والبرتغال، ستظل أزمة السكن والأجور والخدمات العامة عوامل مؤثرة في العلاقة بين الحكومات والمجتمع.

في المحصلة، تقف أوروبا أمام اختبار يتجاوز قدرتها على تهدئة الشوارع؛ إذ تتطلب استعادة الاستقرار معالجة الأسباب التي تدفع المواطنين إلى الاحتجاج، من تآكل القوة الشرائية إلى أزمة السكن وتراجع الخدمات، بالتوازي مع ضبط الدين العام وتعزيز النمو. أما استمرار الفجوة بين الوعود السياسية والواقع المعيشي، فقد يمنح التيارات الشعبوية مزيدًا من النفوذ، ويجعل الاستحقاقات الانتخابية المقبلة ساحة لمواجهة حاسمة حول مستقبل السياسات الاقتصادية والاجتماعية في القارة.

زر الذهاب إلى الأعلى