الرئيسية

حين تختلط الاختصاصات وتُمنح الألقاب بلا استحقاق فمن يحمي الطب الآمن في ليبيا؟

بقلم / د .علي المبروك أبوقرين

ما يثير الأسى والاستياء في واقع المؤسسات الصحية الليبية ليس مجرد تعثر الأداء أو تأخر الإصلاح إنما ذلك الخلط المتزايد بين الاختصاصات، والتداخل في المسؤوليات، واستسهال التعامل مع العلوم المهنية الدقيقة وكأنها أعمال إدارية يمكن اكتسابها بدورات عابرة، في غياب البنية المؤسسية التي تمنح كل جهة شرعيتها، وكل مهنة معاييرها، وكل شهادة قيمتها العلمية والمهنية. وقد كشفت المنشورات الأخيرة الصادرة عن مجلس التخصصات الطبية وهيئة اعتماد المؤسسات الصحية ومراقبتها عن أسئلة جوهرية تستحق المواجهة المهنية الصريحة لأن القضية أكبر من منشور أو دورة تدريبية إنها قضية سلامة المرضى ومصداقية المؤسسات ومستقبل التعليم الطبي، والحق في طب آمن. فمجلس التخصصات الطبية بحكم طبيعة رسالته، معني بالتعليم والتدريب الطبي التخصصي، وبناء الكفاءات المهنية وفق مناهج علمية وبرامج سريرية معتمدة، وليس من المفترض أن يتحول إلى مرجعية عامة لكل العلوم الصحية أو أن تختلط مهامه بمهام هيئات الجودة والاعتماد وتقييم الأداء. إن الإعلان عن دورة مدتها ثلاثة أيام لإعداد مدققين لاعتماد مراكز التدريب يثير تساؤلات مهنية مشروعة حول طبيعة التأهيل المطلوب، ومحتوى البرنامج ومؤهلات القائمين عليه والمرجعية العلمية للمعايير، وحدود الصلاحيات التي ستُمنح للمشاركين. فالتدقيق المؤسسي والاعتماد الصحي ليسا مهارتين شكليتين تُكتسبان في أيام وإنما اختصاصان مهنيان يستندان إلى علوم الجودة وسلامة المرضى وإدارة المخاطر وقياس الأداء والتحسين المستمر، وإلى تعليم منهجي وتدريب تطبيقي وخبرة ميدانية وتقييم للكفاءة، وفق أطر معترف بها. ولا تعني هذه الحقيقة أن الدورات القصيرة عديمة القيمة، إنما تعني أنها أدوات للتطوير المتخصص وليست بديلًا عن التأهيل العلمي والخبرة المهنية والتحقق من الكفاءة. وتزداد خطورة المسألة حين يُراد اعتماد المستشفيات والمراكز بوصفه شرطًا للاعتراف بها لأغراض التدريب السريري التخصصي بينما لا تتوافر وفق واقع المنظومة الصحية الذي يستوجب التحقق والتقييم، بنية تعليمية وسريرية متكاملة تربط الجهات التعليمية بالمستشفيات، وتحدد المسؤوليات الإدارية والفنية والمالية والقانونية، وتضمن وجود المرضى والحالات السريرية الكافية، والمدربين المؤهلين والبرامج المعتمدة والإشراف المباشر والتقييم الموضوعي للمتدربين. فكيف نطلب اعتماد مراكز التدريب قبل أن نبني منظومة التدريب نفسها؟ وكيف نمنح الاعتراف لمؤسسة لا نتحقق من قدرتها الفعلية على التعليم والممارسة السريرية؟ إن الاعتماد ليس ختمًا يُطبع على الأوراق، ولا لجنة تزور المرافق، ولا شهادة تعلق على الجدران؛ إنه حكم مهني يستند إلى أدلة قابلة للتحقق، ويترتب عليه ضمان حقيقي للكفاءة وسلامة المريض. أما هيئة اعتماد المؤسسات الصحية ومراقبتها، فإن رسالتها الأساسية ينبغي أن تتركز على جودة المؤسسات والخدمات الصحية، وتقييم مدى التزامها بالمعايير الوطنية المعتمدة، والتحقق من سلامة الممارسات، وكفاءة النظم، وحقوق المرضى، والتحسين المستمر. ولذلك فإن الإعلان عن بحث إجراءات لمكافحة الأدوية المغشوشة والمهربة وتقليد العلامات التجارية، مهما كانت أهمية القضية وخطورتها، يطرح سؤالًا عن حدود الاختصاص المؤسسي، والجهة صاحبة الولاية القانونية والتنفيذية على ملف الدواء. فمكافحة الغش الدوائي والتهريب وتقليد العلامات التجارية تستلزم أدوارًا محددة للجهات المختصة بتسجيل الأدوية والرقابة عليها والتفتيش الدوائي والجمارك والأجهزة الأمنية والاقتصادية والنيابة، وفق التشريعات النافذة. ويمكن لهيئة الاعتماد أن تسهم في حدود اختصاصها، خصوصًا فيما يتصل بسلامة تداول الدواء داخل المؤسسات الصحية، لكنها لا ينبغي أن تحل محل الجهات صاحبة الاختصاص الأصلي أو تتوسع في صلاحيات لا يسندها قانون. إن المطلوب ليس منع التعاون بين المؤسسات وإنما وضع حد فاصل بين التعاون وتداخل الاختصاصات، وبين التنسيق المؤسسي والاستحواذ على مهام الغير. ولا بد أن تستند هيئة الاعتماد إلى قانون تأسيس واضح، ونظام أساسي ولوائح تنفيذية تحدد سلطاتها ومسؤولياتها، وإلى قيادة وكوادر متخصصة في الجودة والاعتماد، ومقيمين ومدققين مؤهلين ولجان مستقلة ومعايير منشورة، وآليات تظلم ومساءلة، وضمانات للنزاهة وتضارب المصالح. فالاستقلال المهني لا يتحقق بمجرد إنشاء هيئة أو تعيين رئيس لها، إنما ببناء منظومة علمية وقانونية تحمي قراراتها من المجاملة والارتجال والمصالح المتعارضة. وهذه الاختلالات لا تنفصل عن الأزمة الأوسع التي تضرب التعليم الطبي والصحي في ليبيا. فقد توسعت كليات الطب البشري وطب الأسنان والصيدلة، ومعاهد التمريض، والبرامج التي تمنح الزمالات والدبلومات والشهادات التخصصية تحت مسميات متعددة، دون أن يواكب هذا التوسع بالقدر المطلوب بناء المستشفيات الجامعية والتعليمية ومراكز المحاكاة، ومختبرات المهارات، والبرامج السريرية المنظمة، وأعداد المدربين المؤهلين. وتقتضي هذه الصورة مراجعة وطنية شاملة تتحقق من واقع كل مؤسسة، ولا تكتفي بأسمائها أو تراخيصها أو شهاداتها. فوجود كلية طب لا يعني بالضرورة وجود تعليم طبي جيد، ووجود مستشفى لا يجعله مستشفى تعليميًا، ووجود برنامج يحمل اسم الزمالة لا يضمن أنه يؤهل اختصاصيًا قادرًا على ممارسة الطب بأمان. إن ليبيا تحتاج إلى تخطيط وطني للقوى العاملة الصحية، يحدد الاحتياجات الفعلية من الأطباء والممرضين والصيادلة وسائر المهن، ويربط أعداد المقبولين بالطاقة الاستيعابية التعليمية والتدريبية، ويعيد بناء المستشفيات الجامعية والتعليمية ومراكز التدريب السريري ضمن هيكل مؤسسي واضح، مع مراجعة توزيع كليات الطب وأعدادها وفق الحاجة والجودة والقدرة على توفير التعليم والتدريب الحقيقيين. كما يحتاج تعليم التمريض إلى إصلاح جذري يضمن المناهج العلمية والتدريب السريري المنظم والإشراف المهني والتقييم الموضوعي، بدلًا من أي مسارات مختصرة لا تحقق الكفاءة المطلوبة. فالمهن الصحية لا تُبنى بالشهادات الصورية وإنما بالمعرفة والمهارة والممارسة المسؤولة والاختبار المستمر للكفاءة. والمبدأ الذي ينبغي أن يحكم كل ذلك بسيط وحاسم فلا يجوز أن تمنح مؤسسة اعترافًا لا تملك أدوات التحقق منه، ولا أن تتولى جهة اختصاصًا لم يُمنح لها قانونًا، ولا أن تُمنح شهادة مهنية دون استيفاء شروطها العلمية والعملية، ولا أن يُعتمد مستشفى للتدريب لمجرد استكمال ملفات إدارية بينما تغيب مقومات التعليم السريري الفعلي. إن أخطر ما يمكن أن ينتجه هذا الخلط هو أن تتحول الإجراءات إلى بديل عن الكفاءة، والشهادات إلى بديل عن العلم، والاعتماد إلى مظهر إداري منفصل عن حقيقة الأداء. وعندئذ يدفع المريض الثمن من سلامته وحياته، ويدفع الطبيب المؤهل الثمن من قيمة مهنته، وتدفع الدولة الثمن من مواردها وثقة مواطنيها. الطب الآمن لا تصنعه كثرة المجالس والهيئات، ولا وفرة الدورات والشهادات، وإنما تصنعه مؤسسات صحيحة الاختصاص وتعليم راسخ وتدريب سريري حقيقي ومعايير علمية مستقلة ومساءلة لا تستثني أحدًا. ومن لا يملك التأهيل لا يمنح التأهيل، ومن لا يملك الاختصاص لا يستولي على اختصاص غيره، ومن لا يستطيع إثبات الكفاءة لا ينبغي أن يمنح الآخرين شهادة بها. تلك ليست قسوة في الحكم وإنما أبسط قواعد الحوكمة وأخلاقيات المهن التي تتعلق بحياة الإنسان. وليبيا لا تحتاج إلى المزيد من المسميات والواجهات بقدر ما تحتاج إلى إعادة تأسيس مؤسساتها الصحية والتعليمية على العلم والقانون والكفاءة لأن صحة الإنسان ليست ميدانًا للتجريب الإداري، وسلامة المرضى ليست مجالًا لتوزيع الألقاب والاعترافات، والطب الآمن مسؤولية وطنية لا تحتمل العبث.

زر الذهاب إلى الأعلى