صرخة من مستشفى القلب الهواري

بقلم/ نجوى مصطفى
حين تطأ قدمك أعتاب المرافق الصحية في بلد يعوم على بحيرات من النفط، وتغدق خزائنه المليارات، تتوقع أن تجد ملاذًا آمنًا يحفظ كرامة الإنسان حين يشتد به المرض. لكن ما شاهَدته أثناء زيارتي لصديقتي في غرفة الملاحظة والعناية المشددة بمستشفى القلب الهواري لم يكن مجرد إهمال عابر، بل كان صفعة مدوية توقظ في القلوب ألف سؤال مؤلم عن مصير وطن يعيث فيه الفساد فسادًا.
دخلتُ تلك الغرفة فإذا بي أمام مشهد تدمى له القلوب؛ غرف عناية لا تتوافر فيها حتى أبسط مقومات النظافة والخدمة الإنسانية، لدرجة أن دورات المياه تخلو من “الوضايات” والأدوات الأساسية، مما يضطر أبناء المرضى لجلبها وتركيبها بأيديهم. مريض يدخل في حالة إسعاف حرجة، لا يحتمل جسده المنهك دقيقة انتظار، ومع ذلك يغيب الطبيب في جولاته وصولاته ووظائفه الخاصة، بينما يجبر أهل المريض على إحضار دوائه من منازلهم. وإن سألنا: ماذا لو لم يملك ذلك الفقير ثمن الدواء؟ أيعني ذلك أن يُكتب عليه الموت ببرود على بوابات مستشفى حكومي؟ والأدهى والأمرُّ، أن يُترك الطاقم الطبي المغلوب على أمره ليتكفل بما لا يطاق؛ حتى إن التمريض، وسط العجز التام، يضطر لاستجداء أربع حبات أسبرين من مرضى مختلفين (حبة من كل مريض) لكي يتم طحنها وإسعاف مريض آخر بها! هل هذا واقع مستشفى في بلد المليارات، أم مسلخ إنساني بلا رقيب ولا ضمير؟
البذخ الفاحش والقصور العاجية: أين تذهب أموال الليبيين؟
المفارقة المؤلمة أن هذا التقهقر المأساوي لا يعكس فقرًا في الموارد، بل يعكس لصوصًا مقنعة. بينما يئن المريض على سرير بالٍ يفتقر لأدنى أدوية الإسعاف، يغرق أبناء المسؤولين وأصحاب القرار في بذخ فاحش وثراء غير مشروع لا يخفى على عين. أفراح أسطورية، وقصور مشيدة، وسيارات فارهة، ورفاهية مطلقة تثير الاشمئزاز، وكأنهم ورثوا هذا الوطن يعيش أهله تحت خط الفقر.
وإذا أردنا الأدلة الحية والصريحة على عبثية إنفاق المال العام، فما علينا إلا أن ننظر إلى قطاع السفارات والبعثات الدبلوماسية في الخارج، حيث تنفق ملايين الدولارات سنويًّا على مقرات فخمة ومخصصات خيالية لحاشية المسؤولين وأقاربهم، بينما يفتقر الداخل الليبي لأبسط مقومات العلاج والخدمات. تصرف الأموال بالعملة الصعبة على الديكورات والسفريات والمؤامرات الوظيفية، ويُترك المريض الليبي ليموت على باب المستشفى بحثًا عن حبة أسبرين! وهؤلاء الذين يعبثون اليوم بمقدرات العباد، لم يكن لديهم قبل تولي المسؤولية سوى الفتات، فجاءت السلطة كالمصباح السحري لتكشف عن وجوه تجردت من كل معاني الذمة والضمير، فنسوا الله ونسوا أن الدوام لله وحده.
متى ينتفض المارد؟ صوت الشعب الأبيّ لا يُقهر
الشيء الأكثر إثارة للحيرة والألم معًا: إلى متى سيبقى هذا الشعب الأبيُّ، صاحب الحق، وصاحب الوطن والسيادة الحقيقي، صامتًا على هذا الذل والامتهان؟
هذا الشعب الذي قهر الظلم، وتاريخه شاهد على نضاله، هو وحده من يمتلك القدرة على قلب الموازين وإعادة الأمور إلى نصابها. صمتكم اليوم يا أبناء وطني لا يعني الرضا، بل هو صمت الحكيم الذي يمهد للطوفان. فالأمانة وُضعت في أعناقكم، والسلطة الحقيقية مصدرها الشعب لا الحفنة الفاسدة التي استمرأت التجارة بآلامكم.
ألم تكتفوا بعد من دفع ضريبة الثقة العمياء؟ حتى متى تُعاقبون في صحتكم، وأرواحكم، ومستقبل أجيالكم، بينما ينعم اللصوص بخيرات البلاد؟ التاريخ لا يرحم، والوطن ينادي أبناءه الأحرار للوقوف بحزم، فالحقوق تنتزع ولا تُستعطى، والساكت عن الحق شيطان أخرس.
سؤال للنقاش:
في ظل هذا الواقع المتردي وغياب الردع الحكومي، ما الخطوة العملية الأولى التي ترى أن الشعب الليبي يجب أن يتخذها لاستعادة حقوقه المسلوبة ومقدراته المنهوبة؟
