الوعي والتشكيك سلاحان ضد التضليل

محمد جبريل
التصديق السريع مدخلٌ للاستغلال والتضليل: الحكماء والفقهاء والعلماء كانوا مرجعياتٍ يُرجع إليها الناس في الرأي والحكمة والفتوى، ثم ظهر الإنترنت فتهمَّشوا، فقلَّ من يُكن لحكمتهم أو يتَّبع فتواهم، ولا سيما مع ظهور متسلقين يدَّعون المشيخة، وفقهاء تخلَّوا عن الدعوة إلى العدل والحق ومحاسبة النفس، مقابل توظيفهم للدين لتبرير ممارسات السلطة. ومن أبرزهم (الجامية)، مدعي السلفية، بينما السلفية منهم براء، التي ظهرت لتبرير غزو العراق 2003، فتُغلِّب طاعة الحاكم على واجب نصحه ومساءلته، وتمنع الاعتراض على الظلم والتجاوزات، وتخلت عن “أفضل الجهاد بكلمة صدق في وجه سلطان جائر”، واستبدلت به: “ولو لاط أو زنى وشرب الخمر على الهواء، أو جلد ظهرك وأخذ مالك، فعليك طاعته، فلا تجاهر بمناصحته”. وقد أسهمت هذه الظاهرة في إيجاد حصانة من النقد، وخدمت الطغيان والولاءات، وسيست التكفير.
وأصبح الناس يستقون معلوماتهم من الإنترنيت، فتراجعت المعلومة الصحيحة أمام الشائعة، والتحليل الرصين تهمش أمام الرأي الشخصي.
أتاح الذكاء الاصطناعي إنتاج صور ومقاطع مزيفة يصعب على غير المتخصص اكتشافها. فقد تُستخدم صورة وجه شخص، أو ثوان من صوته، لإنتاج مقطع يوحي بأنه قال كلامًا لم يقله، أو أعلن موقفًا لم يتخذه، أو ظهر في مشهد لم يحدث أصلًا.
الذكاء الاصطناعي أحيانًا يقدم إجابات خاطئة أو مضللة، لأنه يجيب من قاعدة بيانات قامت الدول والمنظمات والأفراد بتغذيته بها لخدمة أهدافهم.
يتمسك البعض بالمعلومات الكاذبة لأنها تتفق مع انتماءاتهم أو مشاعرهم تجاه الأشخاص والأحداث؛ فيرفضون الحقيقة ويقبلون الكذبة إذا وافقت أهواءهم.
يطال التشويه شخصيات عامة ورموزًا وطنية، كما في الحملات اليائسة التي تستهدف رمز ثورة الفاتح وإنجازاتها، أو لتلميع شخصيات خائنة أو عميلة، كالشارف، أو شخصيات منحرفة، كالسُّراق وتجار المخدرات.
لا ينبغي أن تتحول الخصومات السياسية أو الاختلافات الفكرية إلى مبرر لترويج الأكاذيب أو صناعة الوقائع المزيفة. فالاختلاف حق، والنقد ضرورة، لكنهما يفقدان قيمتهما حين ينفصلان عن احترام الحقيقة والمسؤولية الأخلاقية. فلا تجعل انتماءك السياسي أو الاجتماعي، ولا محبتك لشخص أو كراهيتك لآخر، سببًا في تعطيل عقلك.
إن تنمية الوعي وتعلُّم أساليب التفكير النقدي أداتان لمواجهة التضليل، لكنهما غير كافيتين، ولا سيما أن أدوات التضليل تتطور بسرعة.
لهذا فأقوى سلاح هو التشكيك في كل شيء، باستثناء كتاب الله وسنة نبيه الكريم، والأحاديث التي تتفق مع القرآن الكريم.
التشكيك ممارسة عقلية واعية، تمنح الإنسان فرصة للتفكير ولتمحيص المعلومة والتحقق من أهداف منشئها ومروِّجها قبل التصديق وإصدار الأحكام، وقبل الانسياق وراء من يريد تضليله؛ فانتشار المعلومة ليس دليلًا على صحتها.
يجب التمييز بين التشكيك والتكذيب؛ فالتشكيك يفتح باب البحث والتحقق، بينما التكذيب يغلقه. فلا يجب أن نصدق كل ما يصل إلينا، أو أن نكذِّب كل ما يخالفنا، وألا نعيش أسرى الريبة، بل أن نربط درجة ثقتنا بقوة الأدلة، والقرائن بدلًا من الانطباعات، وإلى المصادر الموثوقة بدلًا من الشهرة، وأن نراجع مواقفنا عندما تظهر أدلة جديدة، مهما تتعارض مع قناعاتنا.
فلا تصدِّق كل ما تسمع أو تقرأ أو ترى. اسأل عن مصادر مستقلة، بدلًا من الاكتفاء بأن المعلومة مكررة في عشرات المواقع والصفحات، التي قد تكون جميعها قد نقلتها عن مصدر واحد، وابحث عن الدليل، وقارن بين الروايات، وتحقق من السياق، ولا تكن ناقلًا ومردِّدًا لروايات الآخرين، بل كن شريكًا في كشف حقيقتها. ففي عالم المتسابقين على توجيه العقول وصناعة القناعات، يصبح التوقف قبل التصديق هو الفارق بين إنسان يمتلك عقله، وآخر يُدار وعيه من حيث لا يشعر، فإذا شاهدنا مقطعًا أو تلقَّينا إجابة من الذكاء الاصطناعي، فعلينا تدقيقها ومراجعتها، وأن نميِّز بين الخبر والرأي؛ فالتفكير المستقل ضرورة لحماية الوعي الفردي والمجتمعي.
وتزداد هذه المسؤولية أهمية عندما يتعلق الأمر بالشخصيات الوطنية أو القضايا المصيرية التي تمس استقرار المجتمع ومستقبله.
إن الغموض يهيِّئ بيئة خصبة للتضليل؛ فلنعتمد قاعدة “أن الجهل سينتهي عندما يُقدم كل شيء على حقيقته”. فالوضوح في تناول القضايا المهمة يسقط سلاح التضليل من أيدي الآخرين، وهذه مسؤولية المتصدِّرين للجبهة الإعلامية. وتوجيه الرأي العام.
إن أخطر ما يمكن أن يقدمه الإنسان لمن يريد تضليله، هو أن يمنحه مفاتيح عقله دون تحقق، وأن يسلِّمه حكمه دون تفكير. والتشكيك الواعي يعني أن تحتفظ بحقك في السؤال حتى تتبيَّن الحقيقة؛ لأن من لا يتحقق مما يُعرض عليه قد يجد نفسه يومًا يدافع عن كذبة، أو يخدم غرضًا لا يصبُّ في مصلحته.
والأخطر من ذلك أن يفقد الإنسان قدرته على التمييز، فيصدِّق كل ما يوافق هواه، ويكذِّب كل ما يخالفه، أو أن يستسلم لليأس، معتقدًا أن الوصول إلى الحقيقة وسط هذا الضجيج لم يعد ممكنًا. غير أن كثرة الأكاذيب تجعل التثبُّت أكثر ضرورة، كما أن تطور أدوات التزييف يجعل تنمية مهارات التحقق أكثر إلحاحًا.
وهكذا يصبح الوعي والتشكيك سلاحان ضد التضليل، ويصبح التثبّت ممارسة يومية لحماية العقل، تحول دون مصادرة العاطفة للعقل، ويحول دون أن تتحول الانطباعات إلى قناعات، والقناعات الخاطئة إلى مواقف وسلوكيات.
التحقق من المعلومات أهم أدوات الدفاع عن الوعي الفردي والمجتمعي، وحماية الرموز الوطنية، والمشروع الوطني، وحماية الحقيقة من محاولات التزييف والتشويه.
