ملفات وتقارير

أمطار غزيرة تكشف هشاشة البنية التحتية وتضع حكومة طرابلس أمام أسئلة المسؤولية والمحاسبة

متابعات – الموقف الليبي


لم تكن الأمطار التي هطلت على العاصمة طرابلس مجرد حالة جوية عادية، ولم تكن المياه التي غمرت الشوارع والمنازل والمرافق العامة مجرد تجمعات مائية سرعان ما تنحسر، ما حدث كشف، في ساعات قليلة، حجم الخلل المتراكم في البنية التحتية وشبكات تصريف مياه الأمطار، وأظهر عجزًا واضحًا في حماية المواطنين والممتلكات والمنشآت العامة من خطر كان يفترض أن يكون معروفًا ومتوقعًا.

خلال ساعتين فقط، تحولت أجزاء واسعة من طرابلس وضواحيها إلى مناطق غارقة بالمياه، وتعطلت الحركة في عدد كبير من الطرق والمحاور، وحوصرت سيارات ومنازل، وتضررت منشآت عامة وخاصة، فيما وجد المواطنون أنفسهم أمام مشهد يتكرر مع كل موجة أمطار قوية خلال السنوات الماضية: شوارع تتحول إلى مجار للمياه، سيارات تجرفها السيول، ومرافق تعجز عن أداء وظائفها، وأجهزة طوارئ تحاول احتواء أزمة أكبر من إمكاناتها.

والأخطر أن الكارثة لم تقتصر على الخسائر المادية، بل أسفرت السيول والفيضانات عن سقوط ضحايا، إذ أشارت أحدث التقارير إلى ارتفاع عدد الوفيات إلى أربع حالات، من بينهم أحمد شويه، الموظف بمصرف الجمهورية، الذي توفي صعقًا بالكهرباء أثناء دخوله إلى مقر عمله، والمحامي عبدالسلام دقيمش، الذي انتشلت فرق الإنقاذ جثمانه بعد غرقه في مياه الفيضانات، إلى جانب حالتي وفاة لاثنين من العمالة الوافدة.

بنية تحتية عاجزة

الأمطار تسببت في شلل واسع للعاصمة، ووصف عميد بلدية طرابلس المركز الوضع بأنه كارثي، كما اضطرت الشركة العامة للكهرباء إلى قطع التيار احترازيًّا في بعض المناطق بعدما وصلت المياه إلى المنازل.

وتكشف مشاهد غرق مناطق مثل زناتة الجديدة وبن عاشور وسوق الجمعة ومناطق أخرى، إلى جانب ارتفاع منسوب المياه في الساحة الخضراء ومواقع حيوية، أن شبكات تصريف مياه الأمطار لم تكن قادرة على استيعاب الكميات المتجمعة بالسرعة المطلوبة.

وتزداد خطورة الوضع عندما تكون غرف تصريف مياه الأمطار مسدودة أو غير صالحة للعمل، أو عندما تكون مناسيب الطرق قد تغيرت بفعل أعمال الرصف وإعادة الإسفلت دون دراسة متكاملة لمسارات المياه، فالرصف ليس مجرد وضع طبقة جديدة من الإسفلت؛ إنه مشروع هندسي يفترض أن يراعي الانحدارات، ومناسيب الشوارع، ومواقع غرف التصريف، ومسارات المياه، وربط الطرق بالشبكات القائمة.

المرافق الصحية تحت الماء

لم تسلم المؤسسات الصحية من آثار الفيضانات، فقد أعلنت إدارة الخدمات الصحية بطرابلس أن ثلاثة مراكز صحية خرجت من الخدمة نهائيًّا، بينما تعرضت سبعة مراكز أخرى لأضرار وصلت في بعضها إلى نحو 60%، وشملت الأضرار الأدوية والمستلزمات الطبية وملفات الموظفين.

هذه الأرقام تكشف أن الأمر تجاوز إزعاجًا مؤقتًا للمواطنين إلى تعطيل جزء من منظومة الخدمات الصحية.

فالمرفق الصحي الذي يغرق بالمياه لا يفقد جدرانه وأثاثه فقط؛ بل يمكن أن يخسر الأدوية والمستلزمات والأرشيف والملفات والأجهزة، وقد يحتاج إلى أسابيع أو أشهر حتى يعود إلى الخدمة، وفي بلد يعاني أصلًا من ضغوط كبيرة على القطاع الصحي، المتهالك أصلًا، فإن خروج سبعة مراكز جزئيًّا وثلاثة مراكز بصورة نهائية من الخدمة يمثل عبئًا إضافيًّا على بقية المرافق.

كما أن وصول المياه إلى المولدات وشبكات الكهرباء داخل المرافق الصحية يطرح سؤالًا أخطر يتعلق بمعايير السلامة الهندسية للمؤسسات العامة، ومدى وجود خطط لحماية المستشفيات والمراكز الصحية من الفيضانات.

المدارس والمصارف والمحلات والسيارات

امتدت الأضرار إلى مؤسسات عامة وخاصة ومحال تجارية ومنازل، كما تعطلت الدراسة والعمل في عدد من الجهات نتيجة سوء الأحوال الجوية.

وكانت آلاف السيارات من أكثر الممتلكات تعرضًا للخطر، فقد غمرت مياه السيول أعدادًا كبيرة من المركبات، فيما اضطر بعض السائقين إلى مغادرة سياراتهم والنجاة بأنفسهم، وأظهرت المشاهد المتداولة سيارات عالقة أو شبه غارقة في الطرق، الأمر الذي يعني خسائر كبيرة لأسر ومواطنين قد لا يملكون القدرة على تحمل تكلفة إصلاح مركباتهم أو استبدالها.

أما المحال التجارية، فقد واجه أصحابها خطرًا مزدوجًا؛ المياه التي دخلت إلى أماكن التخزين والعرض، وتعطل الحركة التجارية بسبب إغلاق الطرق، وبالنسبة إلى الأسر، فإن دخول المياه إلى المنازل يعني أضرارًا في الأثاث والأجهزة الكهربائية والجدران والأرضيات، وربما أضرارًا إنشائية في بعض الحالات.

أين ذهبت أموال التنمية؟

مصرف ليبيا المركزي أعلن أن إجمالي الإنفاق العام خلال الأشهر الثمانية الأولى من عام 2026 بلغ نحو 68.6 مليار دينار، منها 912.8 مليون دينار تحت بند التنمية.

هذا الرقم وحده لا يعني أن كامل مخصصات التنمية كان يفترض أن يذهب إلى طرابلس أو إلى شبكات تصريف مياه الأمطار، ولا يسمح وحده بإصدار حكم بأن الأموال أهدرت، لكن من حق المواطن أن يسأل: ما المشروعات التي أنفقت عليها هذه الأموال؟ أين نفذت؟ وما نسب إنجازها؟ وهل تضمنت شبكات لتصريف مياه الأمطار وتأهيل الطرق والبنية التحتية في العاصمة؟

إذا كانت مخصصات التنمية تنفق، ثم تغرق العاصمة عند أول اختبار جدي للبنية التحتية، فإن مراجعة الأولويات تصبح أمرًا لا يحتمل التأجيل.

والمفارقة أن الإنفاق العام خلال ثمانية أشهر تجاوز 68 مليار دينار، بينما بقي الإنفاق التنموي المسجل أقل من مليار دينار، في حين استحوذت المرتبات على 46.9 مليار دينار، إضافة إلى 9 مليارات للنفقات التسييرية و11.8 مليار للدعم.

المشكلة إذن ليست فقط في حجم الأموال، بل في كيفية توزيعها، وأين تنفق، وما الذي ينتج عنها على الأرض.

ماذا عن “عودة الحياة”؟

لسنوات، رفعت حكومة الوحدة الوطنية شعار “عودة الحياة”، وقدمت مشروعات وإنفاقًا واسعًا باعتبارهما طريقًا لإعادة بناء الدولة وتحسين حياة المواطن.

لكن المواطن الذي وجد نفسه وسط مياه الفيضانات لا يبحث عن الشعارات، بل عن شارع صالح، وشبكة تصريف تعمل، وكهرباء آمنة، ومستشفى لا يغرق، ومدرسة لا تتوقف، ومؤسسة مصرفية لا يتحول دخولها إلى خطر على حياة الموظف.

السؤال اليوم ليس عن عدد المشروعات التي أعلنت، وإنما عن نتائجها. فما قيمة الحديث عن التنمية إذا كانت الأمطار تكشف أن شبكة تصريف المياه لا تؤدي وظيفتها؟ وما قيمة الحديث عن “عودة الحياة” إذا كان المواطن يخشى أن تتحول سيارته إلى قارب، أو أن يفقد حياته بسبب تماس كهربائي في شارع أو مؤسسة غمرتها المياه؟

لقد وعد المواطن الليبي بمستويات معيشية أفضل، وبالمرتبات المرتفعة والسيارات والمشروعات وتحسن الخدمات، لكن الواقع اليوم أكثر قسوة: أزمات كهرباء ووقود وغاز وسيولة، وتراجع مستمر في القوة الشرائية للدينار، وخدمات عامة تتعرض للاهتزاز، وبنية تحتية تظهر هشاشتها عند أول اختبار مناخي قوي. وهذا التناقض بين الخطاب الرسمي والواقع اليومي هو الذي يفقد المواطن ثقته في الوعود.

مقارنة الماضي بالحاضر

من المؤسف أن تتحول كارثة غرق طرابلس إلى مناسبة للصراع السياسي الأجوف، وأن يختزل النقاش في ترديد عبارة أن النظام السابق «لم ينفذ بنية تحتية»، وكأن مجرد تكرارها يمكن أن يلغي واقع العاصمة اليوم. فالمقارنة الموضوعية لا تكون بالشعارات، وإنما بالأرقام والمشروعات والنتائج التي تركتها على الأرض.

وخلال سنوات النظام السابق، لم تكن العاصمة طرابلس تعرف مشهد الغرق المتكرر الذي تشهده اليوم، رغم تعرضها أحيانًا لأمطار غزيرة وسيول. ويبرز في هذا السياق فيضان وادي المجينين عام 1986، عندما فاض الوادي واجتاحت مياهه عددًا من المناطق، مخلفًا أضرارًا مادية، غير أن منظومة السدود والإجراءات المتخذة -آنذاك- أسهمت في الحد من آثار الفيضان. وتبقى هذه الواقعة مثالًا على أهمية المنشآت المائية في حماية العاصمة، وضرورة تقييم البنية التحتية من خلال قدرتها الفعلية على مواجهة الظروف الاستثنائية.

وفي المقابل، لا يمكن تجاهل حجم الأموال التي أنفقتها الحكومات المتعاقبة منذ عام 2011، في ظل الإيرادات النفطية الكبيرة التي دخلت خزينة الدولة. وقد أُثير في عام 2026 رقم «تريليون مليار دينار» في سياق تقرير الرقابة الإدارية حول إجمالي ما أنفقته الحكومات خلال هذه الفترة، وهو رقم يستدعي التدقيق في مكوناته ومصادره، لكنه يعيد إلى الواجهة سؤالًا جوهريًّا عن أوجه الإنفاق العام ومدى انعكاسه على حياة المواطنين.

فحتى بعيدًا عن هذا الرقم، تظل المشكلة قائمة: كيف لدولة نفطية أن تنفق هذه الموارد الضخمة، بينما ما زالت عاصمتها تعاني قصورًا واضحًا في تصريف مياه الأمطار، وتتحول شوارعها وأحياؤها إلى برك مائية مع كل موجة أمطار؟ وأين ذهبت الأموال المخصصة للتنمية، وما المشروعات التي أُنجزت فعلًا، وما الذي تعطل أو تآكل بفعل الإهمال وسوء الإدارة؟

إن القضية ليست دفاعًا عن عهد سياسي أو خصومة مع آخر، بل حق المواطن في معرفة مصير المال العام ومحاسبة المسؤولين عن إدارته. فالمقارنة الحقيقية بين الماضي والحاضر لا تُحسم بالتخوين أو الشعارات، وإنما بحجم المشروعات المنفذة، وكفاءة شبكات الطرق والصرف وتصريف مياه الأمطار، وقدرتها على حماية الأرواح والممتلكات. أما استمرار غرق طرابلس، فيكشف أن المواطن ما زال يدفع ثمن حالة الفوضى والعبث وغياب التخطيط والمساءلة، وأن معالجة الكارثة تتطلب حلولًا جذرية لا بيانات تبريرية ولا سجالات عابرة.

طرابلس تحتاج إلى دولة لا إلى حملات مؤقتة

تستطيع فرق الطوارئ شفط المياه وفتح الطرق وإنقاذ العالقين، وهي جهود مطلوبة وتستحق التقدير، لكن فرق الطوارئ لا تستطيع وحدها أن تعالج مرضًا مزمنًا في البنية التحتية.

طرابلس تحتاج إلى مشروع متكامل لتصريف مياه الأمطار، وإلى إعادة تقييم شبكة الطرق، وإلى مراجعة جميع مشروعات الرصف التي نفذت خلال السنوات الماضية، وإلى تحديد نقاط الاختناق ومناسيب الشوارع ومصارف المياه، وإلى إنشاء قاعدة بيانات للأماكن الأكثر تعرضًا للفيضانات.

كما تحتاج إلى شفافية كاملة في الأموال التي أنفقت على البنية التحتية، وأسماء الشركات المنفذة، وقيمة العقود، ونسب الإنجاز، وتقارير الاستلام، ونتائج الرقابة.

فالمال العام ليس رقمًا في بيان مالي، بل مدارس ومستشفيات وطرق وشبكات مياه وكهرباء وصرف صحي وحياة آمنة للمواطن.

زر الذهاب إلى الأعلى