مقالات الرأي

توافق المتناقضات!



بقلم / مصطفى الزائدي

يشكِّل فكر جمال عبد الناصر العمود الفقري لحركة القومية العربية التي لا تقوم على العرقية العربية، ولا تدعو إلى الليبرالية المتطرفة المنفصلة عن الدين، بل تستند إلى الثقافة العربية كأساس لتكوين الدولة، التي تضمن العدالة الاجتماعية على أساس يختلف عن المنظور الرأسمالي الماركسي في الاقتصاد، بطرح اشتراكي متميز. كان عبد الناصر يقول، الأمة العربية جسد، روحها الإسلام، ولسانها العربية، وتحترم المسيحية والديانات الأخرى، ولا تنظر إلى المجموعات الإثنية المتواجدة في الوطن العربي كحالة شاذة أو نشاز، بل تعتبرها جزءًا من تكوين الأمة العربية الإسلامية.

أما الحركات الإسلاموية التي ظهرت نهاية القرن التاسع عشر من دوائر المخابرات البريطانية، لضمان إخضاع الدول الإسلامية وفرض الهيمنة عليها، والزج بها في محاربة الخلافة العثمانية لمصلحة الصعود البريطاني في الشرق، وكان جمال الدين الأفغاني «الإيراني» أحد أعمدة بناء الحركات الإسلاموية برعاية المخابرات البريطانية، ولم يكن مشروع التحديث أو التجديد الإسلامي الذي طرحه مع محمد عبده، وأبي الأعلى المودودي في الهند، وغيرهم من الشخصيات التي ظهرت في البلاد الإسلامية، سوى محاولة هدفها قيادة المجتمعات الإسلامية لمصلحة الاستعمار البريطاني، وتعزِّز ذلك بتبنِّي الإنجليز للحركة الوهابية في الجزيرة العربية ودعمها من خلال ضابط المخابرات جون فيلبي، وفي الوقت نفسه ظهور حركة الإخوان المسلمين عام 1928، التي نادت بخلافة إسلامية بديلًا للخلافة العثمانية.

 بعد أفول الإمبراطورية البريطانية وظهور أمريكا بديلًا لها بعد الحرب العالمية الثانية، ورثت، فيما ورثت من الممتلكات البريطانية، الحركات الإسلاموية، ودعمتها وطوَّرتها واستغلتها أيَّما استغلال، ويظهر ذلك في محاربة السوفييت في أفغانستان لحساب المخابرات الأمريكية.

هذه مقدمة ضرورية للحديث عن تيارين متناقضين في الأساس؛ فبينما يتبنى النصريون نظريًّا مشروعًا قوميًّا تقدميًّا تحرريًّا، وليس مشروعًا عنصريًّا، أساسه محاربة الاستعمار وبناء دولة عربية واحدة، وطرح العدالة الاجتماعية كوسيلة للتعايش السلمي بين المواطنين، فإن موقفه الثابت ضد التوجهات الاستعمارية، سواء البريطانية والفرنسية أو العنصرية في أفريقيا أو الدور الأمريكي اللاحق لهما، وقيادة الكفاح باسم الأمة دفاعًا عن فلسطين، الأمر الذي أدى إلى تعرضها لانتكاسات كبرى، ونجاح المستعمر الغربي في احتوائها وإفشال مشروعها.

عندما نفَّذ الغرب الاستعماري والصهاينة مؤامرة الربيع العربي في ليبيا وسوريا واليمن، دعمها بعض الناصريين، وهاجموا القيادات القومية الوطنية، وكانت حملات بعض الناصريين في مصر ولبنان، وحتى العراق والمغرب العربي، ضد ثورة الفاتح وقائدها لا تختلف في أي شيء عن الحملات الكاذبة التي نفَّذها الإعلام الرجعي العربي والغربي، رغم أن معمر القذافي كان مدافعًا شرسًا عن عبد الناصر والناصرية، وأسماه جمال عبد الناصر أمين القومية العربية، وقضى عمره في الكفاح ضد المشروع الصهيوني.

أما الإسلامويون، فكانوا أداة المؤامرة والقوة المسلحة التي استند إليها الغرب في تدمير الدول العربية التقدمية في سوريا وليبيا واليمن وتونس ومصر.

 وموقف الإسلامويين قد يكون مفهومًا، كونهم أساسًا ضد القومية العربية، ويؤمنون بالدولة الإسلامية والخلافة، ويعتبرون أن القومية كفر، وأنه لا فرق بين عربي وأعجمي إلا بالتقوى، وهي كلمة حق أُريد بها باطل، لكن أمرهم انفضح في العدوان على غزة؛ فبينما وقفت إيران داعمة للفلسطينيين بالسلاح والمال والدعاية والسياسة، كما دعمت القوى الوطنية اللبنانية، تحالف الإسلامويون ضدها، بادعاء أنهم شيعة روافض يشتمون أمهات المؤمنين وأصحاب النبي، وجنَّدوا كل قوتهم الدعائية والإعلامية في الدعوة لمحاربة حزب الله في لبنان وأنصار الله في اليمن، بحجة أنهم أتباع لإيران وشيعة، وأفتوا بأن قتالهم واجب شرعي في وقت لم يصدروا أي فتوى لدعم حماس السنية، التي ينتمي بعض قياداتها إلى الإخوان المسلمين، لكن الأكثر غرابة أنهم ادَّعوا أن الإيرانيين فرس مجوس يحاولون الهيمنة على الدول العربية وإقامة الدولة الفارسية، بالرغم من أن التاريخ ينبئنا بأنه بعد معركة القادسية، التي استوعب فيها الإسلام الفرس والعرب والكرد والترك وغيرهم على حد سواء في دولة إسلامية بلسان العرب، ساهم هؤلاء في تأسيس الحضارة العربية الإسلامية، التي كان لها دور كبير في تطور الحضارة الإنسانية ووصول العالم إلى ما وصل إليه اليوم.

أتفهم موقف الإسلامويين، لكن المستغرب هو موقف المحسوبين على التيار الناصري التقدمي، الذي يعادي إيران المعتدى عليها من عدو العرب الأول، أمريكا والكيان الصهيوني، بحجة المطامع الفارسية في أرض العرب، بالرغم من أن التاريخ لم يسجل، منذ الفتح الإسلامي، حربًا ولا صراعًا بين العرب والفرس!

أليس هذا التوافق بين التيارين مثيرًا للاستغراب، أم أن الإجابة تكمن في كون الموجِّه واحدًا، وإن اختلفت الأيديولوجيات شكليًّا؟!

زر الذهاب إلى الأعلى