مقالات الرأي

الصحة حق وكرامة ليست سلعة للبيع أو الخصخصة أو التأجير أو المساومة والشراكة

د.علي المبروك أبوقرين

الصحة ليست مجرد خدمة تقدمها المستشفيات ولا فاتورة تسددها صناديق التأمين ولا سوقا تتنافس فيه الشركات على المرضى ولا فرصة استثمارية يبحث فيها أصحاب رؤوس الأموال عن الأرباح. إنها أساس الحياة الإنسانية وشرط الكرامة وركيزة التنمية والاستقرار الاجتماعي وأحد أهم مقومات السيادة الوطنية. ومن هذا المنطلق فإن حماية صحة الإنسان ليست منة من الدولة، ولا امتيازا تمنحه لمن يستطيع الدفع، هي مسؤولية عامة أصيلة ترتبط بحق الإنسان في الحياة والكرامة والعدالة. فالمرض ليس اختيارا تجاريا، والقدرة المالية لا يجوز أن تكون معيارا لتحديد من يتلقى العلاج ومن يُترك لمصيره. وفي المجتمعات التي تحترم الإنسان فيها قيمة النظام الصحي بقدرته على حماية الحياة وضمان الوصول العادل إلى الرعاية وليست بحجم الأسواق التي ينشئها أو الأرباح التي يحققها من آلام البشر. لقد اختارت دول عديدة على اختلاف نظمها السياسية واقتصاداتها ومستويات دخلها، أن تجعل الرعاية الصحية مسؤولية عامة وأن تضمن تمويلها أو تغطيتها من خلال الضرائب والموارد العامة أو التأمين الصحي الاجتماعي الإلزامي وليس الارتزاقي. ففي المملكة المتحدة وكندا وأستراليا ونيوزيلندا وفي دول الشمال الأوروبي مثل السويد والنرويج والدنمارك وفنلندا وآيسلندا، تؤدي الموارد العامة دورا رئيسيا في تمويل الرعاية الصحية. وفي ألمانيا وفرنسا واليابان وكوريا الجنوبية تقوم نظم التأمين الصحي الإلزامي بدور أساسي في تغطية السكان ضمن أطر تنظمها الدولة. وفي البرازيل يوفر النظام الصحي الموحد خدمات صحية عامة على نطاق شامل بينما تتبنى كوبا نظاما صحيا تقوده الدولة وتعتمد روسيا نظاما يجمع بين الضمان القانوني للرعاية والتمويل عبر التأمين الصحي الإلزامي. تختلف هذه الدول في نماذج التمويل والملكية والإدارة ونطاق الخدمات وتواجه تحديات في التكاليف والجودة وقوائم الانتظار، لكن تجاربها تؤكد حقيقة أساسية ومفصلية وهي على الدولة أن تضمن الرعاية الصحية باعتبارها حقا عاما دون أن تجعلها سلعة تخضع لمنطق السوق والربح. فالتمويل العام لا يضمن وحده حسن الإدارة لكنه لا يصبح سببا للتخلي عن النظام العام إنما يستدعي تطويره ومحاسبة المسؤولين عنه وتعزيز كفاءته وجودته وسلامة المرضى. ومن واقع خبرتي الطويلة في النظم الصحية والتخطيط والتمويل والاقتصاد الصحي وإدارة المستشفيات والمرافق الصحية وجودة الرعاية ومكافحة العدوى وسلامة المرضى والتغطية الصحية الشاملة والاستدامة، أرى أن من أخطر ما يواجه الصحة في ليبيا تسويق الخصخصة والشراكة بين القطاعين العام والخاص وشراء الخدمات والتأمين الصحي باعتبارها حلولا سحرية لأزمات النظام الصحي، وتصوير القطاع العام على أنه عاجز بطبيعته عن الإصلاح، بينما يُقدّم القطاع الخاص وكأنه نموذج معصوم من الفشل. إن هذه المقاربة تختزل قضية وطنية وإنسانية معقدة في أدوات مالية وتعاقدية، وتتجاهل أن التأمين الصحي ليس مرادفا للتغطية الصحية الشاملة، وأن شراء الخدمات لا يضمن جودتها، وأن الخصخصة ليست علاجا للفساد. إن بعض هذه الترتيبات قد يضيف تكاليف إدارية ووسطاء ومصالح متعارضة أو ينشئ التزامات مالية طويلة الأجل، أو يفتح المجال للاحتكار وانتقاء الخدمات الأكثر ربحية على حساب الحالات الأكثر تعقيدا وتكلفة. وليس مقبولا علميا أن تتحول إخفاقات بعض المؤسسات العامة، الناتجة عن الفساد والمحسوبية والجهوية وسوء الإدارة إلى ذريعة لإلغاء دور الدولة أو تفكيك مرافقها. فالفساد ليس خاصية ملازمة للملكية العامة، كما أن القطاع الخاص ليس بمنأى عنه. وقد يظهر الهدر في الموازنات العامة، مثلما قد يتخذ أشكالا أكثر تعقيدا داخل العقود والاتفاقيات التجارية. ولذلك فإن معالجة الخلل تكون بالشفافية والمساءلة والرقابة المستقلة والتخطيط الرشيد وتقييم النتائج وليس بالتخلي عن المسؤولية العامة ونقل الموارد والمخاطر إلى ترتيبات يُفترض مسبقا أنها أكثر كفاءة لمجرد أنها خاصة. أما ليبيا فلها خصوصية اقتصادية واستراتيجية تجعل التخلي عن مسؤوليتها الصحية أكثر خطورة وأقل تبريرا. فهي دولة ريعية يعتمد اقتصادها العام أساسا على النفط والغاز، وتمتلك من الموارد السيادية ما ينبغي أن يتحول إلى صحة الإنسان وتعليمه ورفاهيته. والثروة الطبيعية ليست غاية في ذاتها فقيمتها الحقيقية تكمن في تحويل عوائدها إلى مؤسسات وطنية قوية وخدمات عامة عادلة ومستدامة. ومن غير المنطقي أن تمتلك دولة نفطية غنية موارد تمكنها من تمويل قطاعها الصحي ثم تتجه إلى تحميل المواطنين أعباء مالية إضافية أو رهن مستقبل الرعاية الصحية بآليات تجارية مستوردة من سياقات اقتصادية مختلفة. إن خصوصية الاقتصاد الليبي تفرض أن تكون الثروة النفطية ركيزة أساسية لتمويل الصحة العامة، وأن تُوجه الموازنات نحو بناء نظام وطني متكامل وليس نحو إعادة توزيع مسؤولية العلاج على المرضى وأصحاب العمل والوسطاء الماليين. ثم إن الصحة أوسع بكثير من المستشفيات والأدوية والعمليات الجراحية. إنها منظومة متكاملة تشمل الوقاية، والرعاية الصحية الأولية، والتطعيمات وصحة الأم والطفل، وسلامة الغذاء والمياه، والصحة البيئية والمهنية، ومكافحة الأمراض المعدية والمزمنة، والصحة النفسية والتأهيل والتعليم الطبي والبحث العلمي، والاستعداد للأوبئة والكوارث، وتوفير الكوادر والأدوية والتقنيات الطبية. وهي مسؤولية استراتيجية لا يمكن اختزالها في سوق للعلاج، لأن قوة النظام الصحي هي بقدرته على حماية المجتمع ومنع المرض بقدر ما هي بقدرته على علاجه. وعليه فإن ما تحتاج إليه ليبيا ليس الانسحاب من مسؤوليتها الصحية وإنما إعادة بناء نظامها العام على أسس علمية ومهنية ومؤسسية صارمة بتوحيد السياسات وضبط الإنفاق والمشتريات وتطوير نظم المعلومات، وتوزيع الخدمات والكوادر وفقا للاحتياجات، وتعزيز الجودة وسلامة المرضى، ومكافحة الفساد والمحاصصة، وربط المسؤولية بالمحاسبة. المطلوب إدارة عامة كفؤة ونزيهة ومؤسسات قوية خاضعة للرقابة، وتمويل مستدام يضمن العدالة في الوصول إلى الخدمات وليس خصخصة الاختلالات وتحويلها إلى فرص استثمارية. إن ليبيا ليست مضطرة إلى استيراد فلسفات تجارية لا تنسجم مع طبيعة اقتصادها أو واجبها تجاه مواطنيها. إنها تملك فرصة لبناء نموذج وطني يجعل الثروة النفطية أساسا لتمويل منظومة صحية عامة شاملة، ويضع الوقاية والعلاج والتأهيل والتعليم الطبي والبحث العلمي ضمن استراتيجية واحدة، تحمي الحاضر وتؤسس لمستقبل الأجيال. ولا يعني ذلك إنكار الأزمات أو الدفاع عن القصور أو تبرير الفساد إنما يعني رفض استخدام هذه الاختلالات لتسويغ التخلي عن الحق العام. فالمشكلة في سوء الإدارة تُعالج بإصلاح الإدارة، والفساد يُواجه بالمحاسبة والهدر يُعالج بالحوكمة، والقصور يُعالج بالتخطيط والاستثمار في الكفاءات. وتضارب المصالح يمنع ويجرم أما هدم المنظومة العامة أو إضعافها بحجة فشل بعض مراحلها فهو خلط بين فشل التنفيذ وصحة المبدأ، وبين ضرورة الإصلاح وخطورة التفكيك. إن الثروة النفطية لا تمنح الدولة الليبية مبررا للتخلي عن صحة شعبها إنما تضع على عاتقها مسؤولية أكبر في حمايتها. ولا يجوز أن يصبح الفساد ذريعة لخصخصة الحق، أو أن تتحول الأزمات الإدارية إلى مبرر لإخضاع صحة المجتمع لمنطق السوق أو أن يدفع المواطن من صحته وكرامته ثمن إخفاقات لم يصنعها. ليبيا دولة نفطية غنية وليست مضطرة إلى بيع مسؤوليتها عن صحة شعبها أو رهن مستقبل نظامها الصحي لمصالح تجارية. ما تحتاج إليه هو دولة تستثمر ثروتها في الإنسان، وتستعيد كفاءة مؤسساتها، وتحمي المال العام، وتضمن الرعاية الصحية باعتبارها حقا أصيلا ومسؤولية سيادية لا يجوز التفريط فيها. الصحة حق وليست سلعة والمريض إنسان وليس زبونا والثروة الوطنية وُجدت لخدمة الشعب لا لتحويل آلامه إلى أرباح. ولن يكون إصلاح الصحة الليبية بخصخصة العجز أو تفكيك المسؤولية العامة إنما ببناء نظام صحي عام قوي وعادل ومستدام تحكمه المعرفة والنزاهة والكفاءة ويضع حياة الإنسان فوق حسابات السوق ومصالح المنتفعين. فالدولة التي تمتلك الثروة ولا تحمي صحة شعبها لا تعاني نقص الموارد بقدر ما تعاني خللا في الأولويات والإدارة. وليبيا لا تحتاج إلى التخلي عن حق شعبها في الصحة إنها تحتاج إلى أن تجعل من ثروتها النفطية ضمانة لهذا الحق، ومن صحة الإنسان معيارا لنجاح الدولة ووفائها بمسؤوليتها تجاه الوطن والمستقبل.

زر الذهاب إلى الأعلى